مواطن صالح.. إلى أي درجة!

تم نشره في السبت 5 أيار / مايو 2018. 12:04 صباحاً

لا أظن أنه قد خطر ببال جورج أورويل، عند كتابته روايته الديستوبية الأشهر 1984 أن "الأخ الأكبر" سيجد له مكانا، ليس في بريطانيا العظمى مسرح أحداث الرواية وإنما في آخر قلاع الاشتراكية "إن جاز الوصف"، وتحديدا في الصين؛ حيث سمح الزواج غير الشرعي بين نظام الحزب الواحد وشركات تكنولوجيا المعلومات الرأسمالية بإنتاج أخ أكبر ذي طابع عصري جذاب ولد بين خوادم أجهزة الكمبيوتر العملاقة ووسائل التواصل الاجتماعي والبيانات الكبرى الناتجة عنها.
فقد أعلنت الحكومة الصينية عن اعتماد نظام أطلقت عليه "نظام الائتمان الاجتماعي"، بإمكانه تقييم المواطنين ومدى ولائهم للنظام من خلال تتبع نشاطاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي الذي يمكن السلطات من قياس درجة ولاء المواطنين من خلال الأخبار والمواقع التي يشاركونها على صفحاتهم والتي يبدون إعجابهم بها والكتب التي يقتنونها وعاداتهم الاجتماعية ونوعية أصدقائهم الحقيقيين والافتراضيين وتوجهات هؤلاء الأصدقاء السياسية، وإعطاء كل هذه الأنشطة علامات رقمية يحتفظ بها المواطن تماما كما هو الحال مع حسابه المصرفي.
لقد ارتأت السلطات أن تكون الخطوة الأولى من هذا النظام اختيارية مقابل تقديم مكافآت للمشتركين أو للصالحين منهم على شكل امتيازات، مثل السماح بالسفر الى الخارج أو الاستمتاع برحلات مجانية أو الحصول على إنترنت أكثر سرعة أو قروض ميسرة أو استخدام صالات رجال الأعمال في مطار بكين، على أن تقوم مستقبلا وفي العام 2020، تحديدا، بتعميم هذا النظام على الجميع وربط مدى صلاحية المواطن بالخدمات كافة التي تقدمها الحكومة.
وليس بعيدا عن هذا النهج، بدأت بعض الدول الغربية بإدراج طلب حسابات مواقع التواصل الاجتماعي من جميع المتقدمين للحصول على إذن دخول الى تلك البلاد، لتقيم من خلالها مدى خطورة هؤلاء الأشخاص على أمنها. أما عربيا، فقد حدثني أحدهم أنه فوجئ برفض صاحب أحد المحلات تأجيره زورقا بعد اطلاعه على إحدى الصور ذات الدلالة السياسية التي كان قد نشرها قبل سنوات على صفحته على أحد مواقع التواصل.
بالقدر الذي وفرت فيه التكنولوجيا أسباب المعرفة للإنسان، فإنها جعلت منه عاريا تماما أمام من يملك القدرة التقنية لتتبع خطواته وسكناته، وما كنا نظنه عالما مغرقا في الخيال في 1984، أورويل أصبح حقيقة لا يمكن تجاوزها، مما يعطي الرواية بعدا جديدا يستحق إعادة القراءة.
فهل أصبح قريبا اليوم الذي سيطلب فيه من أحدنا بطاقة الائتمان الاجتماعي التي تخصه عند التقدم لوظيفة أو لطلب قرض بنكي أو حتى لطلب يد فتاة للزواج؟!

التعليق