إصلاح.. ولكن!

تم نشره في الأحد 6 أيار / مايو 2018. 12:06 صباحاً


من النادر أن تستمع لخطاب سياسي أو برنامج إصلاح حكومي من دون أن تجد حديثا مفصلا عن الإصلاح الإداري وإعادة الهيكلة وتغيير قيم ونظرة العاملين للوظيفة العامة. نصوص الخطابات والبيانات الحكومية والتعديلات التي تجري على القوانين والأنظمة تستند الى ملاحظات الساسة وتوجيهات القادة وانطباعات الجمهور. في السنوات الأخيرة، حاولت العديد من المؤسسات إجراء بعض الإصلاحات على القوانين التي تحكم عملها وراجعت أنظمتها الداخلية وهياكلها التنظيمية وأحدثت بعض التعديلات من دون أن يلمس العاملون الكثير من التغيير أو يشعر الجمهور باختلاف القيم وأنماط الأداء.
في العديد من مؤسساتنا، ما يزال ضعف الولاء المؤسسي وتراجع مستوى الثقة بقدرة وعدالة القائمين على صناعة القرار وتردي مستوى الإيمان بنزاهة وموضوعية القرارات الخاصة بالتقييم والنقل وإنهاء الخدمات، أهم المشكلات وأكثرها تأثيرا على مسيرة المؤسسات وعلاقة العاملين بها.
في كل مرة تتخذ مؤسساتنا قرارا يخص النقل أو الترفيع والاستغناء، تتولد الإشاعات وتنهال الضغوط للتأثير على هذه القرارات للمطالبة باستثناء البعض من القرار أو شمول آخرين به، وقد تصل في بعض الحالات الى حدود الضغط على من اتخذ القرار من أجل التغيير أو وقف التنفيذ. الاشتباك المجتمعي والخارجي مع المؤسسات ومحاولة الضغط على قرارات إداراتها، من الأسباب التي تدفع بالمديرين الى اتخاذ قرارات مباغتة من دون استشارة العاملين وتهيئتهم كخطوة ضرورية للاستعداد للتنفيذ والتعامل مع تبعات القرار وآثاره.
للقرارات المتخذة بصورة مفاجئة ومن دون تهيئة لمن تعنيهم آثار وتداعيات آنية وبعيدة المدى، فمن ناحية يسهم القرار المفاجئ في توليد انطباعات عامة لدى المجتمع والمؤسسة والعاملين والجمهور باحتمالية ارتكاب الأشخاص المنقولين والمنهاة خدماتهم لأخطاء جسيمة أو ارتكابهم أفعالا غير قانونية استوجبت هذا الإجراء المباغت. كما تخلق هذه القرارات لدى الموظف المنقول أو المحال الى الاستيداع أو التقاعد قناعة بأن المؤسسة وإدارتها غير معنيتين باحترامه ورعايته والحفاظ على كرامته. بالمقابل وكاستجابة سريعة، فقد تتولد لدى الأشخاص المحالين للتقاعد من دون تهيئة وإعلام مسبق بعض المشاعر المختلطة؛ حيث يتداخل الإحساس بالظلم مع الغضب والرغبة في الانتقام ممن كانوا سببا في اتخاذ القرار المؤلم والمجحف.
في الكثير من الحالات التي تتغير فيها الوزارات والإدارات، يعتقد من يخلف الفريق الراحل بأنه جاء لإصلاح الدمار الذي تسبب به أسلافه فيقبل على مهامه بروح اتهامية لكل البرامج والمشاريع والأعمال وربما الأشخاص الذين أشرفوا على تخطيط وإدارة المشاريع في الحقبة السابقة، وقد لا يتردد الوزراء والمديرون الجدد في إلغاء وتطفيش كل ما ينتمي الى الحقبة السابقة على حلولهم في موقع القرار.
عقلية المخلص التي تتملك الرؤساء والوزراء والمديرين الجدد، مسؤولة بدرجة كبيرة عن تأخر حصول التقدم المرجو في السياسة والاقتصاد والإدارة والخدمات وبناء الإنسان. فبوجود هذه العقلية واستمرار تغذيتها بالممارسات والتشكيك يعتقد كل فرد يحل في موقع عام بأن التاريخ قد بدأ معه وأن كل ما قبله لا يتجاوز محاولات يائسة قام بها أشخاص ليسوا بمستوى معرفته وقدراته وعبقريته.
خسارة مؤسساتنا لا تتوقف عند حرمانها من البناء على الإنجازات السابقة بل في تحول كل الخبراء والمديرين ومن شغلوا مواقع قيادية سابقة الى خصوم لمؤسستهم ومحاولة عرقلة مساعي الإدارات الجديدة كاستجابة لغطرستها وفجورها.

التعليق