إبراهيم غرايبة

الجيل الثالث من الدعاة الجدد

تم نشره في الأربعاء 9 أيار / مايو 2018. 12:06 صباحاً


لم يعد اليوم مهما أو مجديا أن يقال أو أن يكون بالفعل الدين مع أو ضد الديمقراطية والاعتدال والتطرف والكراهية، ولم يعد يختلف عن التطرف والكراهية أن يحشد الدين لأجل الاعتدال والتسامح، فلم يعد الدين في هذه المرحلة أداة سياسية أو اجتماعية في النهضة أو التخلف. لكنه قضية فردية خالصة تلهم المجتمعات بقدر ما يؤثر فيها الأفراد بما هم فاعلون اجتماعيون، وعلى هذا الأساس فإن الدعاة الجدد الذين يبشرون بالاعتدال يشاركون على نحو ما في تكريس التطرف والتخلف أيضا.
رافق الصحوة الدينية منذ السبعينيات والثمانينيات ظاهرة الدعاة والخطباء،.. في الموجة الأولى ظهر دعاة وخطباء مثل عبد الحميد كشك، والمحلاوي، والقطان، ويوسف القرضاوي، ويمكن تسمية هذه المجموعة "دعاة المساجد والكاسيت" وجاء معهم أيضا في هذه الموجة المحاضرون والخطباء في المحافل والمناسبات، كما نهض معهم "المنشدون" وازدهرت في هذا المجال سوق الكاسيت للمحاضرات والخطب والنشيد الإسلامي.
وفي الموجة التسعينية، ظهر دعاة الفضائيات حول التدين المجتمعي مثل عمرو خالد، وطارق سويدان، وعائض القرني، ومحمد العريفي، واستطاع القرضاوي العبور إلى هذه المرحلة من خلال قناة الجزيرة، في حين اختفى خطباء المساجد والمنشدون والمحاضرون، واختفت أيضا سوق الكاسيت!
وفي السنوات القليلة الأخيرة، بدأت موجة ثالثة بالظهور حول الاعتدال والتنوير، و"يوتيوب" مثل عدنان إبراهيم، ومحمد شحرور.
يعتقد البعض أن الدعاة الجدد يرشدون الظاهرة الدينية، وكان الاعتقاد نفسه قائما منذ السبعينيات؛ دعاة الإخوان في مواجهة التكفير والتطرف، ودعاة المجتمعات في مواجهة الإسلام السياسي، ودعاة التنوير في مواجهة الهوس الديني الشعبي، والحال أنه يعاد إنتاج وتحديث الخواء والتطرف، لأنه وببساطة إن لم يكن الدين وفهمه وتطبيقه في السياق الاجتماعي الصحيح يظل الخواء والتطرف يعاد إنتاجهما وتحديثهما، فلا يمكن مواجهة التطرف إلا في إصلاح اقتصادي واجتماعي يقوم على الحريات والازدهار، وتتخلى فيه الدولة عن دورها الديني في الأوقاف والتعليم والأسواق والتشريع، فلا فرق بين دور ديني تنويري للدولة وبين دور محافظ أو سلفي، .. كله فساد واستبداد ووصاية وخواء.
التطرف الديني يعكس أزمة الدولة والمجتمع، ولا يمكن مواجهته إلا بإصلاح أو تجاوز هذه الأزمة، وليس بمحتوى ديني معتدل تديره السلطة السياسية بمعزل عن أزمتها. وهذه الأزمة مرتبطة أساسا بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى التي تتشكل مع وحول تقنيات وموارد اقتصاد المعرفة والشبكية.
اليوم، يصعد الفرد قوة مؤثرة ومستقلة عن الدولة والمجتمع، وفي ذلك تصعد أيضا القيم والأفكار الفردية. وبالطبع فإنها تختلف عن القيم الجماعية، وتقتضي بالضرورة صعود فهم وسلوك ديني فردي مستقل عن التراث الديني المرتبط بالدولة والمجتمعات، فما لدينا من أفكار ومؤسسات دينية أنتجتها الدولة الحديثة، وليست سوى "إسلام المطبعة".
بدأت القيم والأفكار والتصورات عن العالم والحياة فردية، ثم طورت في المجتمعات والحضارة الزراعية في منظومة دينية. واليوم ينشئ كل فرد أسلوب حياته الخاص، وتكاد تكون الأسر النووية حضارات مختلفة ومتعددة أو فقاعات نعيش فيها مستقلين، هكذا يصمم كل فرد مستقلا فهمه الديني "إسلام الإنترنت"، بلا علاقة بالمجتمعات والمؤسسات الدينية والتعليمية، هكذا أيضا يزيد تأثير وانتشار القيم الفردية، وتنحسر وتتراجع القيم الاجتماعية، وسوف نحتاج إلى شبكة واسعة ومعقدة ولا نهائية من قيم العلاقات والأفكار القائمة على معرفة واحتياجات شخصية وفردية. وفي ذلك، يجب أن يرد الدين إلى الفرد، بما يعني ذلك الاستجابة الصحيحة لمرحلة الشبكية.
الخلاف مع الدعاة الجدد وما بعد الجدد ليس في المحتوى الذي يقدمونه، لكن في مواصلة التنميط والتنظيم للتدين، فلا فرق في فساد هذه العمليات سواء كان هذا التنظيم تنويريا أو محافظا أو متطرفا أو قل ما شئت من الاتجاهات والأفكار.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الجيل الثالث من الدعاة الجدد؟؟ (يوسف صافي)

    الأربعاء 9 أيار / مايو 2018.
    جميل ما ابدعت وصفا وتصويرا للمارسات ومن تربع على عرشها (لكن الواجبه ) دعني اخالفك الرأي (ولكل رأي ورؤيه) بما توصلت اليه من أحكام اضطراديه ولوجا لمطابقة معادلة تم من خلالها تغييب النهج وتصويره من خلال امثله مخرجاتها يعتمد على الممارس وقدراته وما آلت اليه تعدد صور واوجه الدعوى لهذا وذاك (ولكل هوى ومصلحه) وكما التعدد في الأراء في النظريات الدنيويه وقد عشنا مخرجاتها وتوجهات ممارسيها وتشعباتها حتى اودت الى تقسيم النظريه الى فروع وسط ويمين ومتطرف الى حد الإنشقاق والصراع مابين ممارسيها (لكل هوى ومصالح) وتعددت مسمياتها راسماليه اشتراكيه قوميه لبراليه علمانيه والخ.. ؟؟؟وحتى لانطيل وبعد هذا الإستهلال الحكم على النهج يتم من خلال قراءة نصوصه وقواعده وتشريعه وليس من خلال لون الداعي والمنظّر والخطيب ؟؟؟ وإذا ماقسنا النهج الديني من خلال مخرجات تشريعاته (منزوع الهوى المصلحي والرغائبي) لوجدناه من المناعه الذاتيه كطارد لمن اخطأ ممارسا واو تم توظيف ذلك لهوى مصلحي تسلطا واو اقصاء الغير (وعلينا التفريق مابين الدفاع عن النهج في حالة التغول وإلإعتداء عليه ومابين اختلاف الرؤى والرأي " والخ ..؟؟؟؟ وفي حالة الإختلاف العوده للدستور والتشريع وليس للقاضي اوالداعي ؟؟؟استاذ ابراهيم !!! وصدق خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم وتسليمه مستشرفا الحال "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدا وطوبى للغرباء"