د.أحمد جميل عزم

"الخطأ الفني" في غزة

تم نشره في الأربعاء 9 أيار / مايو 2018. 12:05 صباحاً


تكشف تصريحات القيادي في حركة "حماس"، في قطاع غزة، محمود الزّهار، حقيقة موقفه من المصالحة، وتعزز الفرضية أنّ جزءاً أساسياً من الحركة، غير مقتنع، وغير راغب في المصالحة، ولا يريدها إلا اضطراراً وبالقدر الذي يقلص أزمة الحركة. وفي المقابل، فإنّ معضلة وقف رواتب العاملين في السلطة الفلسطينية، في قطاع غزة، ممن عينوا قبل انقسام 2007، أي ممن عينوا في عهد حركة "فتح"، ما تزال متفاقمة، ومن أخطر ما فيها أنّ الإجراءات المتخذة في القطاع تبرر تحت عناوين، منها "الخطأ الفني" من دون الانتباه أنّ مثل هذا العذر دلالة فشل حكومي، يكفي لإقالة أو استقالة الوزارة، أو بعض أعضائها على الأقل.
في تصريحاته لقناة العالم، الفضائية الإيرانية، رفض الزّهار، الاعتراف بشرعية الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، وقال "لا مصالحة مع جواسيس". وهو بذلك يعزز فرضية وجود من يعرقل المصالحة، من داخل "حماس"، وقد احتاج قائد الحركة في غزة، يحيى السنوار، في شهر أيلول (سبتمبر) 2017، لإطلاق تصريح، جاء فيه "سنكسر عنق من لا يريد المصالحة ومن "حماس" قبل "فتح""، فيما اعتبره البعض تهديداً لمن يعارض المصالحة، في "حماس". وبالفعل كان يمكن لتصريحات الزّهار أن تستفز ردود فعل حادة، حتى داخل "حماس" لو كانت المصالحة تسير على ما يرام. ومثل هذه التصريحات، تدعم الفرضيات التي تقول إنّ هناك من يريد تعطيل المصالحة، حتى لو باغتيالات، فاتهام أشخاص بأنهم جواسيس أو خونة، يبرر أمورا مثل قتلهم.
لقد اصطدمت المصالحة، جزئياً على الأقل، برفض "حماس" تسليم موضوع الجباية الضريبية، والرسوم، في القطاع، وباشتراط تبني نحو 40 ألف موظف عينتهم الحركة، أكثر ربما مما اصطدمت في موضوع "وحدانية السلاح"، وهنا المقصود سلاح حفظ القانون، وتطبيقه، أكثر منه سلاح المقاومة.
وفي المقابل، فإنّ الخصومات من رواتب الموظفين في قطاع غزة، أو وقفها عن شهر آذار (مارس) 2018، ودفع جزء من هذا الراتب أثناء شهر أيار (مايو)، من دون دفع شهر نيسان (إبريل)، والذريعة التي أعلنتها الحكومة، وجرى تأكيده في بيان المجلس الوطني المعلن للإعلام، أن هذا سببه خطأ فني؛ حيث جاء في نص البيان "وقد أعلن الرئيس محمود عباس بعد انتخابه رئيساً لدولة فلسطين، أن الرواتب للموظفين والمستحقات في قطاع غزة سوف يعاد صرفها، مؤكداً أن تأخر صرفها قد حدث لأسباب فنية".
في الواقع أن تبرير الخطأ الفني، فيما يتعلق بصرف رواتب في قطاع غزة، استخدم في السنوات الفائتة مرات عدة. واستخدم في شهر نيسان (ابريل) الفائت، والواقع أن استمرار عدم الصرف، يقوّض فرضية الخطأ الفني.
طغى في الإعلام وفي قطاع غزة، تعبير "الإجراءات العقابية"، للإشارة لوقف الرواتب، والواقع أنّ استمرار الوقف والاقتطاع من الرواتب، يجعل استخدام هذا التعبير ذا مصداقية أكبر.
إذا كان ما يحدث خطأً فنياً، فالمنطقي إعلان تفاصيله، وأسبابه، والمسؤول عنه، وعقاب الموظفين و"الفنيين" الذين تسببوا بهذا الخطأ المستمر المتكرر.
إذا كان عدم الصرف يتضمن رسالة سياسية يتم توجيهها، فإنّ الرسالة غير واضحة وغير مفهومة، وبالتالي تفقد معناها. فأي عقوبة لا يتم النص أنها عقوبة، ولا يتم تحديد السبب الذي أقرت لأجله، تفقد وظيفتها ومعناها. وفي حالة قطاع غزة، فبغض النظر إن كان ما يحدث عقوبة، أم خطأ فنيا، فإنّ من يدفع ثمنه بالتأكيد هو كل قطاع غزة، وأهله، وكل الشعب الفلسطيني، ولكن مؤيدي "فتح" وعائلاتهم، من العاملين في الأجهزة الرسمية، يدفعون الثمن أكثر من غيرهم، فمؤيدو وعناصر "حماس" أقل تأثراً، بل قدمت الحركة قبل أيام، نحو ثلاثة ملايين دولار، في دفعة جديدة مما تصفه بالمساعدات للأسر الفقيرة.
إنّ عدم صدور أسباب واضحة، سياسياً أو فنياً، لما يجري في غزة، يُفقِد هذه الإجراءات كثيراً جداً من معناها السياسي، ولا يبقي منها سوى المعاناة الشعبية.
يحتاج الوضع السياسي في غزة، إلى خطة طريق واضحة تماماً، تعلنها القيادة، لما يجب أن يحصل حتى يجري إعادة الوضع هناك إلى طبيعته، قبل الانقسام، على أن تتضمن هذه الخطة أيضاً أي إجراءات تنوي أو تضطر الحكومة لفعلها.

التعليق