علاء الدين أبو زينة

صالونات الموسيقى في مصر..!

تم نشره في الخميس 10 أيار / مايو 2018. 12:07 صباحاً

تبقى الموسيقى دائماً من الملاذات النادرة المتاحة للهروب المؤقت من زحمة الحياة. ويعرف هواة الموسيقى والمشتغلون بها ما يعنيه العزف مع مجموعة من الزملاء في جلسة فنّ، وكم يستطيع ذلك أن يصنع من البهجة والتسامي. وكذلك أيضاً مَن تُتاح لهم فرصة المشاركة والاستماع في مثل هذه الأجواء التي تتوقف فيها الشواغل، وتغمرها الجماليات المطلقة بعيداً عن كل مظاهر القبح الوفيرة في هذا العالم.
في مصر؛ البلد الغاص بالأزمات والمصاعب، لديهم ظاهرة "الصالونات الثقافية" التي يختص قسم منها بالموسيقى. وفي هذه الصالونات، تلتئم مجموعة من الموسيقيين المحترفين أو الهواة الموهوبين في أمسيات دافئة، بهدف الاستمتاع بعظَمة الموسيقى فحسب، ويستضيفون جمهوراً صغيراً من المستمعين، ربما من الأصدقاء والمحبين. ودائماً يختار هؤلاء الفنانون عزف قطع من موسيقى "الزمن الجميل" التي ألفها العباقرة من الملحنين المصريين والعرب.
غالباً ما تكون هذه الصالونات مكاتب صغيرة أو شققاً فيها قاعة هي في الأصل غرفة ضيوف. وفيها يختلط المستمعون بالعازفين بلا حواجز، ويتبادلون الحديث والطرائف والمرح بين المقطوعات. ويشارك العازفون بملابسهم العادية بلا رسميات، ويشتبكون مع الموسيقى بشغف عجيب ومعدٍ لبقية الحاضرين. وفي معظم الأمسيات، يستضيف الصالون عازفاً مميزاً في آلته ليصاحب المجموعة ويعرض براعته، أو مطربة/ مطرباً هاوياً مصرياً أو عربياً، والذي عادة ما يكون أفضل من بعض المحترفين.
يستطيع المتجول في "يوتيوب" أن يزور الكثير من هذا الصالونات. ولعل من أبرزها واحداً اسمه "صالون المنارة الثقافي الفني"، الذي أسسه رجل الأعمال المصري محمد سعد الدين، ويدير أمسياته عازف الكمان المبدع اللواء محمود معوَّض. وكان معوض قائداً للواء مدرع في الجبهة الغربية، ثم ملحقاً عسكرياً لمصر في الولايات المتحدة. وهو يعرض في حديثه عن الموسيقى خلال تقديم المقطوعات والضيوف ألمعية ومعرفة كبيرة، وشغفاً غير اعتيادي بآلته وبالموسيقى بشكل عام.
من الأسماء الكبيرة التي يستضيفها "صالون المنارة" في أمسياته لتشارك في العزف، على سبيل المثال لا الحصر، عازف الكمان المصري الهائل الحاج سعد محمد حسن، وعازف الأوكورديون المميز فاروق محمد حسن، وعازف الأورغ الأسطوري مجدي الحسيني، وعازف القانون الدكتور صلاح خليل، وعازف الكمان الرائع وائل أبو بكر. وفي بعض الأحيان، تجد هؤلاء العازفين يشاركون في صالونات غير صالوناتهم في بعض الأمسيات، يجمعهم حب الموسيقى. فمثلاً، تجد عازف العود العبقري الدكتور سيد منصور وهو يغني ويعزف في صالون الدكتور خليل الديواني وفي صالون المنارة وأي مكان آخر يستطيع أن يمارس فيه شغفه البائن بالموسيقى.
أتصور، من أجواء هذه الصالونات، كما هي في "يوتيوب"، أنها جهد تطوعي لا تتدخل فيه النقود من قريب أو من بعيد، سواء للعازفين أو الجمهور. بل يظهر من الفيديوهات الأحدث، أن مؤسس صالون المنارة قد أنشأ مسرحاً صغيراً فيه خشبة ومدرج لاستضافة الموسيقيين والمستمعين. لكن المشاهد يلحظ مباشرة عدم ارتياح العازفين لهذا الانفصال النسبي عن الجمهور، ولو أنهم ما يزالون يعلقون ويتحدثون ويشاركون في الغناء.
بطبيعة الحال، تظل مصر مختلفة عن الكثير من بلدان المنطقة من حيث حضور الموسيقى العميق في الثقافة المصرية ووفرة الفنانين. وكل الوقت، تستضيف صالونات الموسيقى عازفين من كل الأعمار، بعضهم لا يفصح مظهره مطلقاً عما ينطوي عليه من اندغام بالموسيقى. وعندما يريد العازفون أن يقدموا مقطوعات، فإن لديهم ما يكفي عُمراً من تراث الملحنين الكبار من مختلف الأجيال. كل ذلك من دون أي مرور بالموسيقى الاستهلاكية المسفة التي أصبحت تملأ السوق.
لكن ذلك لا يعني أن الناس في الدول الأقل ثراء بالموسيقيين والتراث الموسيقى لا يستطيعون إقامة مساحات مثل هذه حيث تُتاح فرصة للتفاعل مع الجماليات. ومن الواضح أن هذه الخبرة في مصر مبادرات فردية في الأساس، يقوم عليها ويندغم بها أشخاص واعونَ وأصحاب رؤية. ومن الجميل أن يصاب رجال الأعمال المتنورون والموسيقيون المؤمنون حقاً بإمكانيات الموسيقى، بهذه العدوى الجميلة، ويشرعون في استكشاف الإمكانيات لفتح مثل هذه الفضاءات المشرقة في هذه المناخات القاتمة.

التعليق