لعلكم تتقون

تم نشره في الجمعة 11 أيار / مايو 2018. 12:00 صباحاً

د. أحمد ياسين القرالة

أيام قليلة تفصلنا عن شهر رمضان شهر الصيام وقراءة القرآن، هذا الشهر الذي أوجب الله تعالى صيامه، وندبنا إلى قيامه، فقال عليه السلام: "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
وقد بين لنا القرآن الكريم أن الصيام من العبادات التي فرضها الله تعالى على الأمم السابقة، فهي عبادة عابرة للأمم والحضارات، فقال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ".
ولهذه العبادة حكم عديدة ومقاصد جليلة، ولعل أول حكمة لها وأهم مقصد من مقاصدها هو تحقيق التقوى في حياة الإنسان، فالتقوى صفة جامعة لكل خير وبر، وليس مثلها وسيلة لصيانة المجتمعات ووقايتها من الشرور والآثام، فالصيام ليس مجرد الامتناع عن الطعام والشراب، وليس هو محض الجوع والعطش، بل هو انتصار على الذات وتهذيب للسلوك وتقويم وتقييم للحركة والسكون، وهو ما عبر النبي عليه السلام، بقوله: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْل فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ.
فالصيام هو الذي يصنع إرادة التغيير عند الإنسان؛ هذا التغيير الذي يبدأ من النفس ثم ينطلق إلى الواقع والمحيط، ولا بد كي يحصل التغيير في الواقع وفي الحياة من أن تتغير النفوس، ولا يمكن للإنسان أن ينتصر في معركة الحياة ما لم ينتصر على نفسه أولاً، وهذا ما عبرت عنه الآية الكريمة "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ"، فتغير النفس مقدمة لا بد منها لتغيير الواقع والحال.
والتغيير ليس محصورا في مجال معين أو مقتصراً على جانب واحد، بل هو شامل لكل مجالات الحياة؛ حيث يبدأ من التغيير في عادات الأكل والشرب والنوم، وينتهي بالتغيير في السلوك العام والتعامل مع المواقف والأحداث المختلفة؛ إذ يفرض الصيام على المسلم أن ينطلق في كل تصرفاته من منطلق التغيير الذي فرضه الصيام عليه، فقد ورد في الحديث الشريف قوله عليه السلام: "إذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا فَلا يَرْفُثْ وَلا يَجْهَلْ، فَإِنْ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ". فبعد أن كان الإنسان غضوباً منتقماً أصبح بالصيام حليماً عفواً.
إن التقوى التي عنوانها مخافة الله تعالى هي التي تهذب الشعور وترتقي بالأحاسيس، فيغدو المسلم مرهف الحس رقيق المشاعر يشعر بآلام الآخرين ويتفاعل معها، فالجوع الذي يشعر به الصائم يجعله يتذكر الفقراء فيحنو عليه ويتعاطف معهم ويتفاعل مع متطلباتهم واحتياجاتهم، وهو ما عبر قوله عليه السلام: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى".
فليس كالصيام وسيلة لترويض النفس وتهذيبها وحملها على الانسياق لصاحبها والاتساق مع إرادته، وبغير ذلك يصبح الإنسان أسير شهوته، وعبداً لهواه، ولا أضل ممن اتبع هواه وسار وراء رغباته وشهواته، فالانسياق وراء الشهوات واتباع الأهواء سبب لشقاء الأفراد وعامل من عوامل هلاك الأمم وزوال الحضارات، قال تعالى: "وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا".

التعليق