علاء الدين أبو زينة

"مصلحة الشعب"..!

تم نشره في السبت 12 أيار / مايو 2018. 11:08 مـساءً

عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، سحب بلده من الاتفاق النووي الإيراني وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية المقعِدة على البلد، قال فيما قال إنه يفعل ذلك لمصلحة الشعب الإيراني. وعندما غزا جورج دبليو بوش العراق في العام 2003، قال إن همه الأوحد هو تحرير الشعب العراقي من دكتاتوره المحلي. وعندما تدخلت قوى الناتو وأميركا في ليبيا في العام 2011، قالوا إنهم يريدون حماية الشعب الليبي من مذابح النظام. وعندما تدخل مختلف أنواع الناس في سورية، قالوا كلهم إنهم يريدون حماية الشعب السوري من بشار الأسد. وهكذا.
والمسؤولون والقادة المحليون في مناطقنا أيضاً، عندما يتشبثون بالكراسي إلى أبد الآبدين، فإنهم يتذرعون بأنهم هم، وهم وحدهم، الأصلح الذي صُنع وكُسر بعده القالب، لخدمة مصلحة الشعب، ولا يرون في أي بديل قدرة على معرفة أين مصلحة الشعب. وكما يبدو، أصبح كل العالم تقريباً مشغولاً بمصلحة الشعوب العربية بالتحديد دون غيرها. الكل يريد أن يحررها ويضمن سلامتها -اللهم لا حسد.
الشعب الإيراني، حتماً، سيكون هو الذي يذوق الأمرين من عقوبات ترامب الاقتصادية، وليس النظام. بل إن ضيق الأحوال الاقتصادية سيشغل الناس بلقمة العيش عن طلب التغيير، وسوف يشدد الخوف قبضة النظام عليهم ومضاعفة مصادرة حرياتهم. أما عن "حرية" العراقيين، فحدث ولا حرج. أولاً، قتلت العقوبات الاقتصادية -لمصلحتهم كما زُعم- عشرات الآلاف قبل أن يأتي الغزو فيقلب حياتهم إلى جحيم لا يبدو له آخر.
وبالنسبة لليبيين، ذهب القذافي ليأتي مائة قذافي، وما يزال الليبيون يناضلون لاستعادة شيء من الحياة الطبيعية ولا يستطيعون. وما في بلدهم حكومة عاملة ولا اقتصاد مستقر، بينما يتحكم في مصائرهم أمراء الحرب والميليشيات المتخاصمة. والسوريون، كان الله في عونهم مما جرى ويجري لهم من التقتيل والتهجير ودمار البلاد والعباد "من أجل نصرتهم". وفي الحقيقة، ليس هناك شعب في الوطن العربي، "من نجد إلى يمن إلى مصر وتطوان"، إلا ويعاني من هذه الغيرة عليه، والحرص على مصلحته بطريقة الحب القاتل.
الخطاب الزائف الذي يبدو أصحابه مقتنعين به، هو أن مصلحة الشعوب العربية هي الهم الشاغل للقاصين والدانين والمحليين الذين لا ينامون الليل وهم يفكرون في حريتها (بالغزو الخارجي والإخضاع المحلي) وليتهم لا يفعلون. فلو كانت هذه الشعوب رعوية، تعيش على السليقة والبساطة ولا يفكر بها أحد، لكان حالها أفضل بما لا يقاس. ولكن، حتى الشعوب التي كانت كذلك، مثل الأفارقة، لم تسلم من "التنوير" الذي جلبه الأوروبيون بالنار والحديد لإخراج "البدائيين، الهمجيين" من الظلمات إلى النور.
المفارقة أن الكثير من شعوب الأرض الأخرى تختبر شيئاً مغايراً حقاً. فإذا قال حزب أو زعيم هناك إنه يعمل لمصلحة الشعب، فإنه يفعل. وما لنا نحن سوى أن نتأمل قصص الوزراء والمسؤولين في بلدان الناس وهم يستخدمون المواصلات العامة أو الدراجات الهوائية، ويمشون في الأسواق ولا يتعالون على أحد، وكأنها من عالم آخر. أو نرى مسؤولاً -أياً كان منصبه- وهو يقال ويحاكم لأنه توسط في تشغيل قريب، أو استخدم سيارة الحكومة لقضاء غرض شخصي، أو تلقى هدية من جهة مصلحة داخلية أو خارجية، فنعرف سوء قسمتنا.
لأن الشيء بالشيء يذكر، ومع مصادفة الذكرى السبعين لضياع فلسطين، لا بُد أن نتأمل ما فعله العالم وعدد لا يحصى من الأشخاص الاعتباريين والحقيقيين "من أجل" الشعب الفلسطيني. وحتى الصهاينة زعموا أنهم يريدون جلب الحضارة إلى أهل "هذه الأرض البدائية". ولا يمر يوم من دون أن يتحدث أحد عن "مصلحة الشعب" الفلسطيني. ونتيجة هذه العناية بالفلسطينيين لا تحتاج إلى إيضاح.
الحقيقة أن كل هؤلاء، من الخارج والداخل، منفصلون عن "الشعب" ومصلحته كما تعرف الشعوب جيداً. ليس المسؤول الاسكندنافي أو الكوري الجنوبي الذي يتعرض للمساءلة فعلاً عن أفعاله ويخاطر بقبول المنصب مثل المترفعين المتشبثين الذين يخلقون لنا كل أنواع المصاعب ليستأثروا بالامتيازات -لمصلحة الشعب. وفوق ذلك، يهتم ترامب وشركاه بمصلحتنا بالطرق المعروفة. وفي الحقيقة، لم نعد نعرف ما نفعل بأنفسنا، نحن الشعب. ليت كل هؤلاء يكفون عن العناية بمصلحتنا ويتركوننا لشأننا، علنا نستريح.

التعليق