كيف سهلت بريطانيا التطهير العرقي لفلسطين؟

تم نشره في الثلاثاء 15 أيار / مايو 2018. 11:00 مـساءً
  • فلسطينيون يُهجرون من وطنهم في العام 1948 في إطار حملة التطهير العرقي لفلسطين - (أرشيفية)

ديفيد كرونين* – (الانتفاضة الألكترونية) 9/5/2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

يميل أنصار إسرائيل من بين النخبة البريطانية الحاكمة إلى ترديد الكليشيهات عن الدولتين –بريطانيا وإسرائيل- اللتين تتقاسمان نفس القيم.
إذا كانت السرقة والنهب تُعتبران قِيما، فسيكون لهذه الازمة التي يكررونها صدى من الحقيقة حقا.
مع ذلك، فإن توقع الأمانة والشفافية الكاملة من حكومة تيريزا ماي لن يكون واقعيا. ولذلك، فإن من غير المفاجئ أن يكون أحد زملائها في مجلس الوزراء قد تمنى لإسرائيل عيد ميلاد سعيد ببلوغها سبعين عاما، بينما يبشر كل الوقت بالتزامه "بالعدالة والرحمة والتسامح".
والذي يرسل هذه التهنئة هو غافن ويليامسون، وزير الدفاع البريطاني، بينما تقوم إسرائيل بذبح المتظاهرين الفلسطينيين العزل في غزة.
الجزء المهم الذي يتم حذفه من الخطاب حول "القيم المشتركة" هو أن إسرائيل وبريطانيا تتحملان مسؤولية مشتركة. فبينما كانت القوات الصهيونية مسؤولة بشكل مباشر عن النكبة -التطهير العرقي لفلسطين في العام 1948- كان الذي سهل جرائمها، وحرَّضها على ارتكابها في بعض الحالات، هو السلطات البريطانية.
النقطة الأولى المهمة هي أن الهاغاناة -الميليشيا الصهيونية الرئيسية في ذلك الوقت- كانت قد تدربت إلى حد كبير على يد القوات البريطانية عندما حكمت بريطانيا فلسطين في الفترة بين الحربين العالميتين.
على الرغم من أن الهاغاناة كانت غير قانونية، فإن البريطانيين اعتمدوا عليها عند القيام بعمليات نصب الكمائن ضد الثوار الفلسطينيين في فترة الثلاثينيات. كما قدمت الهاغاناة الآلاف من الرجال الذين انضموا إلى قوة الشرطة الموازية "بدوام جزئي" التي جمعها البريطانيون أثناء محاولتهم سحق الثورة الفلسطينية. وتم جلب قادة الهاغاناة إلى "فرق ليلية خاصة" بقيادة أوردي وينجيت، الضابط البريطاني المعروف بعنفه بشكل خاص.
عمل وينجيت عن كثب مع يتسحاق صاده، قائد عصابات "البالماخ" الذي أصبح فيما بعد شخصية عسكرية رئيسية خلال النكبة وأحد مؤسسي الجيش الإسرائيلي. ويعزى الفضل في تعاون الثلاثينيات بين الطرفين إلى ييغال ألون، وهو جنرال أصبح سياسياً رفيع المستوى، والذي أخرج قوات "الهاغاناة من خنادقها ومن وراء أسلاكها الشائكة إلى الحقل المفتوح، وهو ما جعلها تتبنى نوعاً أكثر نشاطاً من الدفاع".
يعني هذا أن وينجيت –الذي كان شخصا غريب الأطوار والذي تمتع بدعم من رؤسائه في فترة حرجة- ساعد في تشكيل تكتيكات وفكر الرجال الذين قاموا بتجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم قسراً وطردهم من ديارهم في العقد التالي.
بلا حول ولا قوة؟
كانت العلاقة بين بريطانيا والحركة الصهيونية معقدة بوضوح. فمن خلال إعلان بلفور في العام 1917، تولت بريطانيا دور الراعي الإمبراطوري للمشروع الصهيوني. وتم تنفيذ سلسلة من الإجراءات لتعزيز جهود الاستعمار في فلسطين. ومع ذلك، لم يكن إيقاع الأحداث سريعاً بما فيه الكفاية في نظر العناصر الأكثر تطرفاً في الحركة الصهيونية.
ولما كانوا غير سعيدين بأن دولتهم اليهودية المبتغاة لم تتأسس بعد، بدأت مجموعتان صهيونيتان مسلحتان -إرغون وليحي- في شن حرب عصابات ضد بريطانيا في أربعينيات القرن الماضي. وأدت الاضطرابات التي تلت ذلك والضعف الأكثر عمومية الذي إصاب الإمبراطورية إلى جعل بريطانيا تقرر التخلي عن الولاية (الانتداب) التي منحتها لها عصبة الأمم وحكمت فلسطين بموجبها.
لكن النكبة كانت جارية فعليا قبل وقت طويل من الموعد الذي حددته بريطانيا لإنهاء حكمها في فلسطين: 14 أيار (مايو) 1948. وكان على البريطانيين، طالما ظلوا في فلسطين، التزام بحماية الفلسطينيين من الأذى.
لكن البريطانيين نكثوا بالتزاماتهم. وفي 9 نيسان (أبريل) من ذلك العام، نفذت القوات الصهيونية فورة من عمليات القتل في دير ياسين، القرية الفلسطينية القريبة من القدس. وأقر آلان كانينغهام، المفوض البريطاني السامي في فلسطين، بأن "عمليات قتل جماعي متعمد ضد المدنيين الأبرياء" قد وقعت، ولكنه قال إن القوات البريطانية "لم تكن في وضع يمكنها من اتخاذ إجراء في هذا الشأن بسبب قوتها المتلاشية والتزاماتها المتزايدة". من بين حوالي 800.000 فلسطيني الذين سيطردون أو يفرون من منازلهم بسبب الهجوم الصهيوني في العام 1948، كان أكثر من 400.000 قد شُردوا ونزحوا عن قراهم مسبقا بحلول الوقت الذي غادر فيه البريطانيون.
هل كانت بريطانيا عاجزة بلا حول ولا قوة حقاً؟
في العام 1948، كان هناك حوالي 100.000 جندي بريطاني في فلسطين، إلى جانب قوة شرطة بقيادة بريطانيا. وكان لدى الهاغاناة حوالي 50 ألف عضو، ولو أن حوالي نصف هذا العدد فقط هم الذين ربما كانوا مقاتلين ناشطين.
وهكذا، يكون الاستنتاج الحتمي هو أن بريطانيا كانت تستطيع أن تحول دون المعاناة الفلسطينية –لكنها اختارت أن لا تفعل.
"فليتقاتلوا حتى النهاية"
كان الأمر ببساطة قضية تقاعس عن العمل. وفي 20 نيسان (أبريل) 1948، أرسل سيريل ماريوت، القنصل البريطاني العام في حيفا، برقية إلى المسؤولين في لندن لإطلاعهم على الوضع الأمني الذي كان يواجهه. وأشار إلى أنه من المتوقع أن تهاجم القوات الصهيونية مدينة حيفا -المدينة الحيوية ذات الأهمية الاستراتيجية- خلال اليوم أو اليومين المقبلين.
وأضاف في برقيته أن أولوية الجيش البريطاني تتمثل في حماية "الطرق والمنشآت" التي تعتبر ضرورية لإجلاء القوات البريطانية. وحالما يتم تحقيق هذا الهدف، فإن بريطانيا "ستسمح لليهود والعرب بأن يتقاتلوا حتى النهاية في الأجزاء الأخرى من المدينة".
وفي الطريق، تجاهلت التعليمات بالسماح للأطراف المتحاربة "بالتقاتل حتى النهاية" كيف كانت عصابات الهاغاناة أقوى عددياً ومجهّزة بأسلحة أكثر حداثة مما لدى القوات العربية.
عندما وقع الهجوم، استولت القوات الصهيونية بسرعة على جزء كبير من حيفا. ورفض الجنرال البريطاني، هيو ستوكويل، السماح للتعزيزات العربية بالتقدم نحو المدينة. كما أمر القوات البريطانية أيضاً بالانسحاب.
ثم أمر ستوكلويل القوات العربية بنزع سلاحها. وطلب من "جميع الذكور العرب الأجانب" التجمع في مكان معين حددته قوات الهاغاناة، بحيث يمكن طرد هؤلاء الرجال "تحت السيطرة العسكرية".
واشتكى القادة الفلسطينيون في حيفا من أن الظروف التي فرضها ستوكويل كانت غير عادلة. لكن البريطانيين طلبوا من الفلسطينيين، من دون أي بديل قابل للتطبيق، مغادرة المنطقة.
بينما كان المواطنون الفلسطينيون يفرون –فقط بالملابس التي يرتدونها حسب ما ذُكر- قامت قوات الهاغاناة بإطلاق النار على سيارة إسعاف، وبنهب مستشفى، والاستيلاء على محتويات منازل الفلسطينيين. ومرة أخرى، ظل البريطانيون في موقف المتفرج.
من خلال ترك الفلسطينيين بلا أي خيار سوى مغادرة حيفا، كان ستوكويل شريكا في عملية الطرد الجماعي لأهلها. وساعدت السيطرة الصهيونية على حيفا، والتي قام ستوكويل بتسهيلها، في تحويل المدينة إلى ما وصفه دافيد بن غوريون بـ"المدينة الجثة".
وهنا، يجب التأكيد على أن بن غوريون، كان يحبذ تحويل المجتمعات الفلسطينية إلى مدن جثث. وقد توقع أن يتم تكرار "النجاح الصهيوني" الذي تحقق في حيفا في جميع أنحاء فلسطين.
في غضون بضعة أسابيع بعد ذلك، أعلن بن غوريون رسمياً تأسيس دولة إسرائيل. وأصبح أول رئيس للوزراء فيها.
لكن مشاركة بريطانيا في فلسطين لم تنته عندما تخلت عن ولاية عصبة الأمم. فعلى مدى معظم العقود السبعة التي مضت منذ قيام إسرائيل، قدمت بريطانيا لها المساعدات العملية والخطابية.
ولم تكتف النخب الحاكمة في بريطانيا بدورها في تمكين تجريد الفلسطينيين من أراضيهم في العام 1948. وإنما قامت بإطالة أمد معاناة الفلسطينيين وتفاقمها، بينما تواصل الزعم أنها تؤمن بالعدالة.

*محرر مشارك في موقع "الانتفاضة الإلكترونية". آخر كتبه هو "ظل بلفور: قرن من الدعم البريطاني للصهيونية وإسرائيل".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: How Britain enabled the ethnic cleansing of Palestine

التعليق