الإسرائيليون يحاولون إخفاء النكبة

تم نشره في الخميس 17 أيار / مايو 2018. 12:00 صباحاً

هآرتس

تسفي بارئيل   16/5/2018

المواجهات العنيفة في غزة لا تهدد إسرائيل، مثل الفكرة التي أحدثت سلسلة المظاهرات. الردود على ذكرى يوم النكبة تشبه الردود في تركيا على استخدام مفهوم "قتل الشعب" في سياق ذبح الارمن. في الحادثتين "هذا لم يحدث أبدا". ومن اجل منع سوء الفهم في إسرائيل، مثلما هي الحال في تركيا، تم سن قانون خاص هدفه اخفاء وجود "الحدث"، وشطبه من الذاكرة الجماعية اليهودية، ومعاقبة من ينسب لإسرائيل أي مسؤولية على طرد آلاف الفلسطينيين اثناء حرب الاستقلال.
المعلمون غير مسموح لهم تعليم الاعداد التي تشرح جوهر النكبة، ومن يفعل ذلك يعرض نفسه للتوبيخ، بل أخطر من ذلك. الطلاب لا يمكنهم التمييز بين النكبة وبين الانتفاضة، وفي احيان كثيرة يعتقدون أن مفهوم النكبة يعني يوم الاستقلال الفلسطيني. "نجاح" الحملة الإسرائيلية لابادة النكبة يؤثر بشكل خاص عندما يتبين أنه حتى أبناء الشبيبة العرب لا يعرفون الظروف التاريخية والسياسية والعسكرية التي احدثت النكبة.
"هذا هو يومنا، الذي نحيي فيه معارضتنا للاحتلال الإسرائيلي منذ العام 1967"، قال لي طالب عربي. "هذا هو اليوم الذي سيطرت فيه إسرائيل على اراضي عربية في الجليل"، لقد خلط طالب آخر بين يوم الارض ويوم النكبة. في اوساط الطلاب اليهود، الجهل ليس فقط أكثر اثارة للانطباع، بل أيضا يعتبر وسام شرف واشارة إلى الاخلاص للدولة. يبدو أنه حتى لفظ المفهوم المحظور يسبب لهم المغص، وكأنهم ابتلعوا حبة دواء سامة.
إسرائيل ليست ناضجة الآن لمواجهة ماضيها. الدولة المستعدة لكل سيناريو في المواجهة مع إيران وحزب الله أو المتظاهرين في غزة ترى في النكبة عدو أكثر تهديدا. المتظاهرون يمكن قتلهم، لكن النكبة ليس بالإمكان محاربتها بالطائرات والدبابات، القناصة لا يمكنهم تحييدها، وهي ليست دولة معادية يمكن أن نفرض عليها عقوبات. النكبة مثل الوحش الذي يخرج مرة في السنة من اجل الافتراس. صحيح أنه يتم احياؤها في موعد ثابت، لكنها هي الماضي والحاضر المستمر لإسرائيل والفلسطينيين، لذلك لا يمكن نزعها من الرزنامة أو وضع اشارة النصر عندما يمر هذا الموعد.
ما الذي يثير القشعريرة في اوساط الإسرائيليين كل سنة عندما يستعدون ليوم النكبة؟ هذا بالتأكيد ليس الضمير. الإسرائيليون منذ فترة لا يتأثرون من قتل الفلسطينيين في المناطق، بالأحرى من أن العرب "هربوا" قبل سبعين سنة. ربما أن عدم الرضا البسيط الذي تسبب من أن الفلسطينيين في إسرائيل والمناطق ينشغلون فجأة بهويتهم الوطنية، وللحظة يتجرؤون على الاحتجاج على تفوق الرواية اليهودية، الاخلاقية لإسرائيل؟ أيضا هذا لا. أحد اسس القومية الإسرائيلية هو رؤية العربي الإسرائيلي كعدو، مفاهيم "الاخلاص للدولة" و"العرب" لا ترتبط بجوهر واحد في رأس الوطني الإسرائيلي.
يبدو أن التفسير للرعب من النكبة موجود في عدم القدرة على تسوية النزاع الفكري، بين التوق إلى دولة قومية يهودية ونقية وغير ممسوسة بقوميات اخرى، خاصة العرب، وبين الفهم بأن دولة كهذه غير موجودة في الواقع ولا يمكن أن توجد.
هناك من يسعى إلى حل هذا التناقض بضربة فأس: أفيغدور ليبرمان يحلم بقطع الاجزاء العربية عن إسرائيل ورميها إلى مناطق السلطة الفلسطينية، وزارة التعليم تبني اسوار دفاعية كثيفة من كتب التعليم في محاولة لمنع اختراق التاريخ العربي للوعي الإسرائيلي، الكنيست تسن قوانين قومية، اخلاص ونكبة على انواعها، التي تسعى إلى استكمال الغيتو اليهودي القومي. ولكن النكبة ترفع رأسها في كل مرة من جديد. الاحداث في غزة تسمح بتحويلها اخيرا إلى شيء ما ملموس وحي له وجه وجسم، بالإمكان إطلاق النار عليه وقتله. للنكبة يوجد "جنود" مستعدون للموت من أجلها، ولإسرائيل يوجد هدف لا يقتضي التفسير والتبرير. هكذا يقتلون النكبة.

التعليق