ثمن قرار شارون

تم نشره في الخميس 17 أيار / مايو 2018. 12:00 صباحاً

يديعوت أحرونوت

سيفر بلوتسكر   16/5/2018

استنتاج سياسي بشع ينشأ عن التطورات الاخيرة في حدود غزة: التجربة الإسرائيلية يالانفكاك من القطاع – فشلت.
في غزة لا تسيطر السلطة الفلسطينية، مثلما توقع مؤيدو فك العلاقة مع القطاع وأنا بينهم. غزة عمليا سلمت إلى حماس. وهذه لم تقم فيها حكما مدنيا، بل اقامت حكما عسكريا منفلت العقال يسعى إلى المواجهات وعديم الأهداف المدنية. أما إسرائيل، من جهتها، فحاولت التنكر لغزة، خنقها، نقلها إلى مسؤولية مصرية. وفي النهاية لم يخرج أي خيار إلى حيز التنفيذ: غزة عالقة في حلقنا، اليوم أكثر مما في صيف 2005، والغزيون عالقون في حلقنا. اليوم، أكثر مما في حينه. المواجهة لم تنته، تفاقمت، ولا يبدو انها ستنتهي من تلقاء ذاتها.
لم يكن فك الارتباط مبادرة من "معسكر السلام": كانت هذه المبادرة الشخصية لرئيس الوزراء الراحل ارئيل شارون. على الورق، بدا كحل صحيح، بداية مسيرة لإنهاء الاحتلال. هكذا أيضا عرضه شارون. ولكن فور خروج إسرائيل من هناك تبين أن القطاع لن يكون يشبه سنغافورة – بل بنغازي. ميليشيات حماس لم تبد اهتماما في نقل مرتب لوسائل الانتاج والعقارات التي خلفتها إسرائيل وراءها. بل فضلت اقامة معسكرات تدريب في الدفيئات على زراعة البندورة هناك. اما السلطة الفلسطينية فقد اختفت من الميدان وهذا قرر مصير المكان.
في السنوات التي مرت منذ فك الارتباط، اخذ الوضع الاقتصادي، الاجتماعي والأمني في غزة في التدهور: الاف الغزيين قتلوا في ثلاث حروب ضد إسرائيل، عشرات الالاف اصيبوا بجراح وعدد غير معروف مات بسبب النقص في المياه، الكهرباء وفي الخدمات الطبية الاساسية. من الجانب الإسرائيلي، قتل جنود ومدنيون كثيرون وتضررت بلدات واستثمرت مليارات الشواكل في التحصين وفي حماية الحدود. اغلاقنا فاقم الازمة في غزة ولكنه لم يحدثها. احدثتها حقيقة أن مصير سكان غزة أودع، أي ترك سائبا، في ايدي منظمة ارهابية اسلامية وحشية، عنيفة غير شرعية، وغير مؤهلة ووغير مستعدة للحكم كحكومة مسؤولة. وعلى الرغم من ذلك، في نظر إسرائيليين كثيرين، بمن فيهم مسؤولون في الجيش الإسرائيلي، كان هذا اهون الشرور. هكذا أيضا في نظر سياسيين أوروبيين وعرب لم يحركوا ساكنا كي يغيروا فيه شيئا.
والآن، يتظاهر عشرات آلاف الغزيين تحت شعارات لا يمكن لأي إسرائيلي أن يتماثل معها أو يُسلم بها. ليس ضد الاحتلال هم يتظاهرون، ليس ضد القطيعة، الاغلاق، او نقل السفارة الأميركية إلى القدس، كما يدعون بخطأ في وسائل الاعلام في الغرب: هم يتظاهرون ضد مجرد وجود دولة يهودية. ونحن نرد بنار حية وحشية. نحن نطلق النار دون ان نبكي. وهم يموتون دون ان يبكوا. ليس لهم ما يخسروه غير الوجود البائس وانعدام الامل. هذا واقع رهيب. والكراهية تحطم ارقاما قياسية.
في نظرة إلى الوراء، كان فك الارتباط خطأ. اعترف بأنني اخطأت حين ايدته، رغم أنني كنت بين المتحفظين. لو بقيت إسرائيل في غزة، لكانت الفجوة الاقتصادية بين الفلسطينيين في القطاع وبين الفلسطينيين في الضفة ضيقة. وكان سيتوفر حل لعبور البضائع والأشخاص بين غزة والخليل. ولبقي حكم السلطة الفلسطينية على حاله – بل وتعزز. وعشرات آلاف الغزيين كانوا سيعملون في إسرائيل مثلما عملوا في الماضي وكان العنف سيكون اقل.
وماذا الآن؟ إسرائيل لن تعود لاحتلال غزة، ولكن إسرائيل يمكنها ان تكون جهة حاسمة في تحريك خطوة دولية لتحرير القطاع من حماس واعادة الحكم إلى السلطة الفلسطينية. ولهذا فإن على إسرائيل، اي علينا، ان نتوجه فورا إلى العالم العربي ودول الاتحاد الأوروبي بدعوة إلى مبادرة شاملة تتضمن وقف الاغلاق، نزع سلاح حماس، فتح المعابر بين غزة ومصر وعودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع كحكم شرعي وحيد.
إذ طالما تواصل إسرائيل الاغلاق، حماس في حكم الارهاب، مصر في عدم المبالاة والسلطة الفلسطينية راضية عن الدم المسفوك، لن يكون أحد مستعدا لان يستثمر مليارات الدولارات اللازمة لإعادة بناء غزة – استثمارات حيوية تفتح كوة امل لسكانها، تبدد قليلا يأسهم، وتهدئ الخواطر المتلظية. ان دائرة العنف السحرية لن تتوقف عن الحركة من تلقاء ذاتها بل العكس دورانها سيتسارع فقط، وسيصبح أكثر تواترا وأكثر كارثية.

التعليق