رمضان وتحرير الإرادة

تم نشره في السبت 19 أيار / مايو 2018. 12:06 صباحاً

ها هي الدنيا تستقبل هلال رمضان، ضيفا كريما بما يحمله من معاني البركة والطهر والإرادة الحقيقية للإنسان، مطلقا دوافع الخير وحوافز المعروف في النفس، وباعثاً معاني التقوى والورع، ليغير في وقت واحد الكثير مما ألفناه في حياتنا وحياة ملايين البشر في شتى بقاع الأرض من عاداتٍ، ليتغير السلوك اليومي الفردي والجماعي على نحو واسع، وينقلب برنامج الحياة اليومية، وتتمايز طريقة إشباع احتياجات الإنسان الأساسية في البدن والروح والحياة، فشكل الحياة في رمضان ليس كشكلها في غيره من الشهور.
يتجاوز تأثير رمضان الأفراد الى المجتمعات والمسلمين الى العالمين ممن يتعايشون ويتعاملون معهم في شؤون الحياة المختلفة، ليكون شهر رمضان الموسم الأوسع والأظهر في العالم في تغيير السلوك البشري والعادات الإنسانية، والتي تترك آثارها القريبة والبعيدة في الروح، والثقافة والعمل والعلاقات.
نذكر رمضان، فنذكر التعرض للنفحات الربانية والتجليات الإلهية وتحقيق معاني التقوى، ونذكر رمضان فنذكر معه ضبط الإرادة، وكسر قيد العادة، وتوثيق العزيمة لتستقيم الحياة على منهج الله، ونعيش مع رمضان وبوحي من طبيعته وبأثر من فضله، عادات كريمة وخصالا فاضلة تعودناها في حضرته، هي بعض من آثار كرامته ومن ثمرات بركته، منها قيم الصلة والتراحم والمودة والإقبال على الناس والحياة بالتسامح، ونذكر رمضان ونذكر معه البر والصدقات والصلات والإحسان واجتماع الناس على البر والتقوى.
وفي الوقت ذاته، نذكر ما أحدث الناس في رمضان مما ليس منه، كالإسراف في احتياجات البدن، وهدر الوقت المقدس فيما لا يجدي وثقافة الاستهلاك والإسراف والتزايد، وكذلك التعطل والكسل والجمود واللغو والعبث وكل ما لا يتفق مع روح الشهر الفضيل وتحقيق التقوى، لتتحول عبادة كسر العادة وكأنها في ذاتها عادة، مما شكّل الوجه الآخر للتعامل مع رمضان الذي قام البعض بإفراغه من جوهره وتحويله لطقوس لا تمت لجوهر هذه العبادة بصلة.
ولكن يظل الصوم ظاهرة فريدة وتجربة ثمينة ينبغي تنميتها وتعزيزها وربطها بالقيم الخيّرة، والعادات النافعة، والممارسات المفيدة لخير المجتمعات والبشرية، من خلال الاستفادة من روح الصيام التي تنطلق من إرادة ذاتية راسخة وقناعة صادقة وتصرف حر للإنسان لمواجهة سيطرة العادة وسلطان الشهوة، والانعتاق من سجن الجسد الى فضاء الروح. فالتربية النفسية التي يتيحها شهر الصيام يمكنها أن تبدع في تكوين العادات الصالحة والعواطف النبيلة، التي تعود بالخير على الإنسان والإنسانية.
كثير من الناس ممن يتوقون إلى إحداث تغييرات مهمة في حياتهم، يضربون لذلك موعدا في موسم الإرادة والتغيير، فيغتنم البعض شهر العزيمة والانعتاق للإقلاع عن بعض العادات السيئة كالتدخين أو ترك الخبائث أو العودة الى حمى الله تائبا، فالشهر الفضيل موسمٌ خصب لكل بذر صالح يحتاج إلى إرادة وهمة، ولو فهمه الناس على حقيقته لجعلوا منه حرباً على كل عجز ومفسدة، وعدواً لكل شر وطغيان، ومدعاة الى التغيير الإيجابي، وتحويل المبادئ الى حركة وسلوك، والمعرفة الى عمل وتطبيق.
فسيحةٌ هي آفاق الشهر الكريم، وعديدةٌ فرصه، وخفية أسراره، وحريٌّ بمن أدرك معانيه، وذاق حلاوة الطاعة فيه، أن يجعل منه ساحة لكل طيب من العادات والأخلاق يلتزمها وينشرها ويتقاسمها.

التعليق