مهرجان مكناس لآلة القانون.. سحر المدينة وحميمية اللحن

تم نشره في الأحد 20 أيار / مايو 2018. 12:00 صباحاً
  • جانب من فعاليات مهرجان مكناس لآلة القانون- (من المصدر)

رشا سلامة

مكناس- حين تجتمع مكناس وآلة القانون معا، فإن ثمة مزيجا لا يمكن للزائر مقاومته؛ إذ إن المدينة بحد ذاتها قطعة موسيقية تاريخية بخليط من اللمسات الصوفية والإسماعيلية والأندلسية وغيرها، لتأتي هذه الآلة الموسيقية التي تزهو في مكناس على وجه التحديد، لتكمل المشهد.
مهرجان مكناس لآلة القانون في دورته الثالثة، والذي قامت عليه جمعية السنابل الإسماعيلية للموسيقى العصرية والإبداع، كان من بين الأكثر ألفة وحميمية؛ إذ يعكف كل فرد في الجمعية على الاحتفاء بآلة القانون على طريقته الخاصة. يتحدثون عنها ويحدبون عليها بحنو كما لو أن في الأمر علاقة بنوة وأبوة. بل إن الأمر متداخل؛ إذ إن معظم أبناء منتسبي الجمعية يعزفون على هذه الآلة أيضا أو ينخرطون في أجوائها بتجل صوفي على أقل تقدير، ولعل أولهم يوسف مدني علوي، الذي كان معنيا بأدق تفاصيل الحدث، غارقا في لجنة التنظيم تارة والموسيقى تارة أخرى، معه زوجته فاطمة الزهراء التي تكاد تشبه ضابط الإيقاع فيما هي تتابع العرض الموسيقي، ولتكون ابنتهما أميمة واحدة من أكثر عازفات آلة القانون تمكنا في دول المغرب العربي، رغم عمرها الغض.
بمجرد دخولك تلك الأجواء المكناسية بامتياز، ستلحظ أن ثمة شخصا تتمحور حوله أغلب تجارب العزف على آلة القانون في هذه المدينة.. مولاي إدريس الشاهدي الوزاني، الذي بوسع الرائي له أن ينعته، دونما تفكير طويل في اجتراح المصطلح، شيخ الطريقة القانونية المكناسية؛ ذلك أنه صوفي زاهد في الشهرة غير طامع فيها رغم كونه تجاوز سبعة وخمسين عاما في تدريسها للراغبين. رجل متقد الذكاء يلحظ كل ما حوله بعين ثاقبة، دونما تعليق في أغلب الأحيان، غير أن نوتة موسيقية ما ستختل إن هو غاب عن المهرجان للحظات.
يقول تلميذه موسى وحواسين إنه ما أقبل على هذا إلا حين صارح الوزاني بعشقه لهذه الآلة غير أنه كان يخشى أن الوقت قد فاته للتعلم عليها بعد أن شارف على نهاية الثلاثينيات، غير أن الوزاني قال له ما كان بمثابة انطلاق التجربة: اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد.
يقول إن المهرجان بدورتيه السابقتين أسهم في تكريس حضور آلة القانون على المستويات كلها: المختصة والهاوية والشعبية، والمغربية والعربية وكذلك لدى الفئات العمرية كلها بدءا من أصغر عازف يناهز عمره تسعة أعوام وليس انتهاء بمن احترف هذه الآلة على مدار عقود طوال.
أول صانع لآلة القانون في المغرب، منذ العام 1995، والعازف عليها ومدرسها في مدينة فاس، كان حاضرا ضمن فعاليات المهرجان. عثمان العلمي، الذي يشرح بإسهاب عن مصادر الخشب الذي تصنع منه هذه الآلة كالمغرب وتركيا وكندا وأميركا، وعن خطوط النايلون فيه وريشته النحاسية وتاريخه الذي ثمة من يعيده للفراعنة فيما هنالك من ينسبه للبابليين، مستذكرا الفارابي، صاحب الباع الأطول في تطوير هذه الآلة، ومفندا اللمسة الأندلسية في القانون المغربي، الذي يتميز بهويته الخاصة عن آلات القانون المصنوعة في سورية والعراق وتركيا وغيرها.
يقول إن صناعة آلة قانون واحدة تستلزم منه شهرا تقريبا، مستاء من قلة الاحتفاء بهذه التجربة، رغم عصاميته في تصميم الآلة وصناعتها في غرفة في بيت والده، إلى جانب انتظامه في فرقة أهل الفاس للمدح والسماع.
يتحامل المدير الفني للمهرجان محمد بن علي أبو ياسين على ألمه؛ إذ أجرى عملية جراحية في الدماغ قبل أسابيع، لكنه ما لبث أن تواجد في المكان، ليثريه بتجربته الضخمة في عزف عدد من الآلات الموسيقية وكتابة الشعر الغنائي والتلحين، ومراقبته عن كثب تجربة ابنيه الفنية، الصبي في عزف القانون، والفتاة في رسم الجداريات التي اختارها المهرجان خلفية تشكيلية للوصلات الموسيقية.
ما يزال الكل يدور في فلك الوزاني، الذي يتنحى جانبا ليعطي الضوء كله لتلامذته حتى أصغرهم سنا. تقول ملك حجوجي إحدى تلميذاته، المشغولات بالتحضير لوصلة عزف جماعية لليافعين للموشح الأندلسي "جادك الغيث"، إن شخصية الوزاني في التعاطي مع الطلبة المستجدين وصبره الكثير على أسئلتهم، كانا على رأس ما جعلها متعلقة بهذه الآلة، راغبة في تكريس حضورها في المغرب عموما ومكناس على وجه التحديد.
تقول إن والديها يشعران أنها تملك حظوة خاصة؛ لكونها تلميذة شخصية مكناسية بارزة فنيا وثقافيا كالوزاني.
لعبد المجيد اليزيدي، والد العازف اليافع جليل، الذي يقطن في المهجر، حكاية فريدة؛ إذ يقول إن الصدفة ساقته في بلجيكا لعازف عراقي هو سهاد نجم، الذي تتلمذت على يده طفلته سلمى وابنه جليل. يقول إنه كان مستغربا الأمر منذ البداية؛ إذ ليس للعائلة اهتمامات موسيقية، كما أن أبناءه بالكاد يفهمون العربية، غير أنه يستدرك قائلا "لكن آلة القانون أعادتهم للمغرب ولامتدادهم العربي؛ إذ باتوا يأتون للوطن مرارا خلال العام، كما أنهم يصرون الآن على فهم معنى الكلمات العربية التي يؤدون ألحانها". و نحو الوزاني توجه اليزيدي؛ رغبة منه في تكريس الصبغة المغربية الأندلسية على عزف جليل.
في ركن قصي، يجلس عازف قانون جزائري وطبيب أطفال في الوقت ذاته، هو الدكتور محمد السعداوي، الذي يمسك بالآلة ويترفق بها، كما لو كانت طفلا يؤم عيادته في العاصمة الجزائرية حيث يقطن.
اللمسة التركية حاضرة بقوة في عزفه، كما يقول إن في مداعبة القانون فسحة له، يبدد من خلالها ضغوطات الوظيفة والحياة، ليغدو الآن واحدا من بين الأكثر تمرسا في العزف على هذه الآلة ليس في الجزائر فحسب، بل وتركيا أيضا، حيث تتلمذ موسيقيا.
أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب كانا حاضرين على طريقتهما الخاصة في المهرجان؛ إذ أفرد لهما العازف المصري الدكتور جمال عبد المنعم جل مقطوعاته على آلة القانون، ليصحب الجمهور نحو حالة فريدة من التفاعل، ما جعل المتلقي يجزم أن "الست" موحدة المدن العربية كما لم يفلح غيرها على مدار عقود.
عبد الناصر المكاوي، أستاذ آلة القانون وأحد أشهر عازفيها في المغرب، يحاول أن يجد تفسيرا لفرادة بلاده في العزف والغناء والفن بمشاربه كافة. يقول إن التاريخ الغني الذي تعاقب على المغرب، كما ثرائها بالطبيعة الخلابة والمتباينة، وبالطرق الصوفية والتنوعات الفكرية، كلها أسهمت في صناعة حالة متفردة عالميا، وعلى رأسها ما يتعلق بآلة القانون. يعول المكاوي على هذه التظاهرة الفنية لإعادة لفت الانتباه لهذه الآلة التي تحمل صبغة أندلسية خالصة في بلاد المرابطين، ما يؤهلها، بجدارة، لاعتلاء مكانة عالمية متقدمة.
يستريح الوزاني على مقعد بعيد في حفل ختام المهرجان الذي أقيم في القصر الإسماعيلي، حيث باب المنصور الشاهق وساحة الهديم الهادرة. يطرق برأسه تأثرا ويقول "ها قد تحقق حلمي أخيرا في أن أرى آلة القانون تستفرد في الحضور على خشبة المسرح"، لتقول سامعته في سرها: المغرب يا علبة الحلوى، بمدنك وأهلك، كل قطعة فيك أكثر حلاوة من الأخرى.

التعليق