أطفال وادي الموجب.. عوز وترحال يبددان حلم التعليم والحياة

تم نشره في الاثنين 21 أيار / مايو 2018. 12:00 صباحاً
  • عدد من أطفال المدرسة خلال فعالية إفتتاح صالون حلاقة الأول في المنطقة
  • أطفال الموجب خلال تنقلهم للذهاب إلى المدرسة

تغريد السعايدة

عمان- ها قد حلّ رمضان بخيراته وبركاته، وسطع نوره من جديد، وتسلل ذلك النور في العديد من الشروخ التي "يمتلئ بها المجتمع"، بين عائلات مكسورة الجناح تعاني العوز والفقر، وتنتظر من ينظر لها بعين العطف والاهتمام، ويقع أطفالها ضحية تلك الظروف الصعبة، مما يبدد أحلامهم في التعليم والحياة.
وفي وادي الموجب، وقُبيل انتهاء العام الدراسي، اضطر الكثير من الطلبة إلى ترك مدارسهم ومقاعد التعليم هرباً من الأجواء الحارة في مناطق سكنهم في الواد، تاركين خلفهم حلم إنهاء مرحلة دراسية جديدة في مهب الريح.
تعاني منطقة وادي الموجب الفقر والعوز في الحياة بشكل عام والتعليم بشكل خاص، فهي باختصار منطقة "مهمشة" لا يعلم بها إلا الله وحده.
محطات عديدة تستوقفنا في وادي الموجب... منها محطة التعليم في المدارس وابتعاد الطلبة عن الالتحاق بها، فللوهلة الأولى يتخيل لك عندما تسمع عبير "إحدى طالبات مدرسة الموجب الأساسية"، تقول "أختي تغربت وذهبت للدراسة" تعتقد أن أختها توجهت إلى خارج حدود الوطن لإكمال دراستها العليا.
بيد أن شقيقة "عبير" لم تخرج من محيط منطقة ذيبان، وأقامت في منزل عمها، بحثاً عن سبل العلم والمعرفة، لعلها تحظى بشهادة الثانوية العامة، لتعود أدراجها محملة بمخزون العلم، كما هو مخزون "سد الموجب" الذي يقبع فوق مدرستي الموجب الأساسيتين، للذكور والإناث.
"عبير" تدرس مع قريناتها اللواتي لا يتجاوز عددهن 55 طالبة في المدرسة، وهي في الأساس مبنى تابع للسلطة، ويحفرن الصخر بأقدامهن وأيديهن عندما يصعدن وينزلن التلال المرتفعة برفقة أشقائهن الذكور، يخرجن من "خيام الخيش" التي اعتادوا على العيش فيها، وصولا للمدرسة، التي تعد المتنفس الوحيد للعلم والترفيه في الوقت ذاته.
اعتاد أهالي الموجب العيش في "خيام الخيش"، يعانون ضيق الحال والعوز الذي جعل حياتهم مختلفة عما يمكن أن نراه في باقي مناطق محافظة مادبا، فالغالبية لا تعلم شيئا عن تاريخ المدينة التي يقطنونها، كونهم لا ينالون معلومات كافية سوى ما يتلقونه من المدرسة، لا يملكون جهاز تلفاز يطلعهم على تاريخ بلدتهم والعالم ككل، ولا يعرفون شيئاً عن أفلام الكرتون التي هي سبيل الأطفال للتعلم والتطوير.
أحد معلمي المدرسة، إياد وليدات، يقول "إن التسرب المدرسي يحدث كل عام، هو ليس اختيارا وقرارا بل هو واقع مفروض عليهم"، يفتقدون كل شيء يمثل متعة الطفولة، وهذا ناتج عن فقر الأهل وعوزهم، يرغبون في إتمام التعليم، ولكن صخرة الفقر تقف عائقا بينهم وبين أمانيهم.
"لا يوجد مياه صالحة للشرب، لا يوجد مركز صحي أولي، لا شيء يمكن أن يخدمهم"، بحسب وليدات، في المنطقة التي لا يتجاوز عدد سكانها 500 مواطن، يعتمدون في علاجهم على "الأعشاب وطب العرب"، ويعانون فقراً كذلك في المعلومات حول كل ما يدور حولهم، حياتهم محصورة في الرحيل والتنقل والرعي، على حد تعبيره.
إلا أن تصميمهم على تحسين الحال، مغروس في عقول الأطفال، هم يجابهون الحياة بعنف، كي يحصلوا على فرصة كافية للعلم، وكما كتب على جدار مدرستهم "لا فقر أشد من الجهل"، فهم على وعي بأنهم بفيض من النعم عندما يدرسون ويتعلمون، حتى يترفعوا عن "الجهل"، وفق وليدات.
ولكن، يصطدمون بواقع مرير تعاني منه الكثير من قرى المملكة النائية، التي بحاجة إلى من يضع يده عليها، يسلط بقعة ضوء على تلك "النُدب" في جسد الوطن والتي ستزداد سوءا كلما تم إهمالها، لتتحول إلى جرح غائر.
وخلال زيارة "الغد" برفقة عدد من الإعلاميين والمتطوعين مع الهيئة الخيرية الهاشمية ومجمع النقابات، وجمعية الكتاب المقدس، وبتنسيق من مبادرة مسار الخير، تم الاطلاع على تفاصيل عدة، هي في عين البعض صغيرة، ولكنها في الوقت ذاته تعني للأطفال وأهاليهم الكثير، فبالإضافة إلى طالبات المدرسة، يوجد ما يقارب 110 طلاب في مدرسة الذكور، جميعهم يعانون العوز ذاته وحجم الأمنيات نفسه.
إحدى الطالبات في الصف الأول، بدا عليها شدة الفقر، فهي تنتعل حذاءً يظهر جزء كبير من قدميها المتشققتين، من جراء الطريق الذي تسلكه يومياً، وتحمل معها مصروفا لا يزيد على 10 قروش في بعض الأيام، تقول معلمتها إنها تشتري القليل من البسكويت في ذلك اليوم، تتناول بعضه، وتترك الباقي لإخوتها في "الخيمة التي يعيشون فيها".
صورة أخرى للطفل عبد الرحمن الذي لم تترك قساوة الجبال جزءا به إلا وجرحته، وذلك خلال سيره للمدرسة كيلومترات عدة يومياً، عدا عن الندبة الكبيرة التي تظهر على وجهه جراء لسع البعوض، ولم يتمكن من علاجها مباشرةً.
ورغم ذلك، يفضل عبد الرحمن العيش في "خيمة الخيش" على العيش في منزل كبير، ويقول "تعودنا عليها ونعيش فيها حتى بوجود الحشرات التي تظهر في كل وقت".
وتحدث مدير المدرسة للحضور عن طبيعة الحياة التي يعيشها الطلاب وأهاليهم، من دون وجود أي مصدر دخل لهم سوى "الرعي"، وبغياب بنية تحتية كاملة، كما ذكر نموذجا، الطفل "سهل" الذي يمثل غالبية أطفال وادي الموجب في المدرسة.
اسمه "سهل" ولكنه حياته أصعب ما تكون لطفل يعاني الكثير من العوز، لا يجد حذاءً ينتعله في قدومه وذهابه من وإلى المدرسة، حتى تعرض مؤخراً لجرح كبير في قدمه جراء تعثره على الطريق.
وعلى الرغم من أن طريق وادي الموجب يتميز بوجود المطل السياحي عليه ويعد من المناطق السياحية المميزة التي يتوقف عندها مئات السياح يومياً، ومن دول عربية وأوروبية عدة، يناظرون جمال المناظر الطبيعية بجبالها وتعرجاتها، وغروب الشمس والطريق المتعرج، إلا أن جانبي الطريق يخبئان بين ثنياهما عشرات الخيم التي يعيش فيها الأطفال وعائلاتهم.
جميع معلمي ومعلمات المدرسة من خارج المنطقة، يعانون في طريقهم يومياً لغياب المواصلات في هذه المنطقة، ويضطرون إلى استئجار السيارات الخاصة لمتابعة عملهم في المدرسة، وسط أجواء الصيف الحارة، أو سيول الشتاء الماطرة، عدا عن صور العوز والفقر والبؤس لدى الأطفال التي "تدمي القلب".
وفي صورة مشابهة تماماً لأطفال قرى أخرى في الجنوب، تظهر المعاناة من خلال الأقدام التي اعتادت السير على الصخور "حفاة" أو بانتعال أحذية بالية، تقي أقدامهم بضعة جروح، لكنها تروي قصة السير في طريقٍ مجهول ومستقبل تغيب معه الأمنيات، كما تغيب شمس الموجب، ورغبة في ري روحهم العطشى وهم بجانب سدٍ يروي آلاف الأميال.
ويشار إلى أن وادي الموجب أطلق عليه في السابق "نهر أرنون" وهو واد شديد الانحدار، وفيه طريق تربط الوادي بمدينتي الكرك ومادبا.

التعليق