ماجد توبة

قاصرات في مجتمع قاصر!

تم نشره في الأحد 20 أيار / مايو 2018. 11:05 مـساءً

نهاية الأسبوع الماضي، نشرت وكالات الأنباء العالمية صورة حفل زفاف جماعي في الهند، ضمت مجموعة من العرائس بدا واضحا من معالم وجوههن وتعابيرها المصدومة، رغم حجم الطلاء بالمساحيق أنهن طفلات صغيرات، لم يبلغن الخامسة عشرة من العمر، اقتادهن أهاليهن ومجتمعهن عنوة إلى عالم الكبار والقهر فقط ليستمتع بمعاناتهن رجال، لا يمكن أن يوصفوا إلا بأنهم مرضى نفسيون أو يعانون مركبا من العقد النفسية والاجتماعية والثقافية!
يصعب أن تفارقك صورة الطفلات وهن يقتدن من بيوت أهاليهن وعالم الطفولة الى عالم مجهول وقاس، يطلب منهن بيوم وليلة أن يصبحن زوجات ونساء مكتملات النمو الجسمي والنفسي لإرضاء عقد وأمراض أناس أصموا ويصمّون آذانهم وعقولهم عن كل هذا التطور الذي حققته البشرية من علم ووعي وثقافة، فيما يجدون فسحة لممارسة هذا الخروج على الإنسانية والمنطق العلمي عبر تشريعات متخلفة ما تزال تترك الباب مفتوحا لمثل هذه الانتهاكات القاسية للطفولة.
في الأردن، وكما في أغلب الدول العربية، ما تزال قضية زواج القاصرات مشكلة رئيسية بكل المقاييس رغم انخفاض معدلاتها مقارنة بعقود سابقة؛ حيث تشير إحصاءات دائرتي قاضي القضاة والإحصاءات العامة، الى تسجيل 10434 حالة زواج لقاصرات؛ أي بعمر أقل من 18 عاما، العام الماضي، فيما سجل بالعام 2016 نحو 10907 عقود زواج لقاصرات. وكان لافتا في هذا السياق أيضا أن 846 حالة زواج لقاصرات العام الماضي كان الفارق العمري فيها بين الزوجة القاصر والزوج 15 عاما وأكثر، ومنها أيضا 9 عقود كان الفارق فيها بين الزوجين أكثر من 50 عاما!
دع عنك الآثار الخطيرة صحيا ونفسيا على القاصر التي يزج بها في "عش" الزوجية قبل أن تستفيق من طفولتها المستباحة، فإن الإحصاءات والأرقام الرسمية ذاتها تؤشر الى حجم الظلم والمشكلة، عندما تسجل ارتفاع معدلات الطلاق بين القاصرات، وهو أمر طبيعي ومفهوم لمن يريد أن يفهم ويستوعب ويحلل هذه الظاهرة الكارثية.
الأسوأ في هذا المجتمع هو أنك ما تزال تجد، حتى من بين من يدعون الثقافة والعلم، من يدافعون عن زواج القاصرات باعتباره أمرا طبيعيا وفيه "سترة"، وأن الكثير من والداتنا نحن الجيل الأكبر، قد تزوجن وأنجبن وهن قاصرات، فيما البعض يموّه على نفسه قبل الآخرين عندما يتصدى للمحذرين من أخطار ظاهرة زواج القاصرات بدعوى أن هذا ملف تمويل أجنبي وحرف لاهتمام المجتمع عن "قضاياه الحقيقية". أحدهم لم يجد في تسطيحه لقضية وخطورة زواج القاصرات إلا التساؤل عن سبب عدم الاهتمام بقضية ارتفاع نسب العنوسة في المجتمع الأردني بدل قضية زواج القاصرات؟! وهو منطق الذي يبرر لهذه الظاهرة من حيث يدري أو لا يدري، عندما يضع رأسه في التراب ليعتبر زواج طفلة قاصر تماما مثل مشكلة عنوسة فتاة أو شاب!
نعلم أن هناك أسبابا وظروفا موضوعية عديدة تدفع أهالي إلى تزويج بناتهم القاصرات؛ كالفقر والحاجة والجهل وغياب الوعي والبحث أحيانا عن مخرج اقتصادي ومعيشي للعائلة المسحوقة فقرا وحاجة، كل ذلك أسباب معروفة ويجب أن تكون محل حلول ومعالجات مجتمعية وليست فقط من مسؤولية تلك العائلات، لكنها كلها أسباب لا تبرر للمجتمع والناس قبول توطن ظاهرة زواج القاصرات في المجتمع، بل والسماح بالتشريع القانوني لها، مع علم الجميع بالأخطار الصحية والنفسية والاجتماعية لهذه المشكلة.
وانطلاقا من الأسباب المذكورة، فإن الخوف اليوم حقيقي من أن تتزايد ظاهرة زواج القاصرات بالمجتمع الأردني في السنوات المقبلة، مع اتساع مساحات الفقر وحدته وانزلاق شرائح مجتمعية أكثر الى مستنقعات الفقر والحاجة جراء السياسات الاقتصادية التي تضرب يمينا شمالا بالمجتمع. لكل ذلك، فإن هذه القضية ليست ولا يجب أن تكون قضية هامشية أو ثانوية، بل يجب أن تكون لها أولوية، وأن تحتل مكانتها التي تستحق على سلم اهتماماتنا.

التعليق