عزيزي القارئ.. تدلل!

تم نشره في الاثنين 21 أيار / مايو 2018. 12:03 صباحاً

هذا المقال قد يُصنف في خانة "كشف الحَسَبْ"..
فقد مر على كُتّاب الصحف زمن كانوا فيه منتعشين معنوياً على الأقل. وكانوا يُسمون كتاب "أعمدة وزوايا"، لأن مقالاتهم كانت تظهر على شكل أعمدة واقفة، وتحتل زوايا الصفحات، وكانوا يتفاوتون في المرتبة الصحفية، بحسب موقع زاوية كل منهم. بعضهم كان يكتب "على الأولى"، أي الصفحة الأولى، وبعد أن أصبحت الصحف تصدر بجزأين صار هناك كتاب "أولى جزء ثان"، ويوجد من الأصل "كتاب أخيرة"، الذين يتصدرون المراتب الآن استنادا إلى سيكولوجيا القارئ الذي يبدأ القراءة من الخلف، يليهم كُتّاب صفحة المقالات، الذين بدورهم يتنافسون بين أعلى الصفحة وأدناها، حيث تجدون مقالي مثلاً.
كما تغير شكل المقالات، فلم يعد يقتصر على "العمود"، بل تجد الآن مربعات ومستطيلات، وتحتوي أحيانا على تجويفات لغايات الإخراج الصحفي. وقد لا يعرف القراء الشباب أن هذه الأمور كانت قصة كبيرة في الحياة الداخلية للصحف. وكان لرؤساء التحرير سطوة التحكم، وظهرت تعبيرات مثل "شالُه عن الأولى" و"دَفَشَه داخل الجريدة" أو "حطّه" أو "نزله"، ولكن ظهرت في بعض الصحف زوايا لكتاب "ما بِقْدَر عليهم رئيس التحرير".
من جهتهم، كان القراء ينقسمون إلى فئات؛ أعلاها فئة القراء المواظبين، وبعض هؤلاء كان يؤرشف ويقص ما يعجبه ويحتفظ به، وفي مرحلة لاحقة ظهرت فئة من مشاهدي المقالات، وكان الواحد منهم إذا صادف كاتباً يقول له: "شُفنالك مقال"، وهي عبارة تكفي لإدخال السعادة إلى قلب الكاتب الذي كان عليه أن لا يسأل القارئ عما "شافه"، لأن مثل هذا القارئ يكون قد نظر بعينه إلى اسم الكاتب فقط، أي "جَحَره" من دون قراءة، وقد أعلنت ذات يوم بأني "كاتب مجحور" في وجه زميلي الذي كان يفاخر بأنه "كاتب مقروء".
أذكر قبل عشرين عاماً أن شابة كانت تعمل في إحدى الدوائر أرادت مجاملتي، فقالت إنها شاهدت "إعلاني" في الجريدة، وهي تقصد مقالي، فغرشت على الكلمة ولم أصححها، لكنها لما رأت سعادتي، سألتني على سبيل الاطمئنان: أظن أنهم يعطونك تخفيضات على هذا الإعلان المتكرر؟ وعندها اضطررت للتوضيح بأني لا أدفع بل أتلقى أجراً، فمطت شفتيها ولسان حالها يقول: "على إيش"؟
كان يحصل عند القراء المحترفين أن يتضامنوا مع الكتاب من خلال تساؤلهم الشهير: "كيف تجد موضوعاً كل يوم؟". وذات نقاش حاولت سيدة أن تستهين بتلك الصعوبة، عندما قارنت الأمر باضطرار الزوجة للعثور على طبخة كل يوم، متناسية أنه لا يوجد قراء لمقال متكرر بينما يوجد أكيلة لطبخة المقلوبة مهما تكررت.
اختلفت الأمور كثيراً الآن، فقبل أسابيع توقفت في إربد عند ساحة واسعة لبيع الخردة والأثاث المستعمل، ورحت أسأل صاحبها عن عمله، لكنه قاطعني وسألني: أنت ما هو عملك؟ قلت له: كاتب وباحث. قال: يعني ماذا تعمل، وعم تبحث؟ قلت له: عن معلومات وأفكار. فواصل استغرابه وسأل: يا أخي نحن نبحث عن خردة ونجمعها فماذا تجمع؟ كررت إجابتي: معلومات وأفكار. فقال: ويعطونك نقوداً مقابل ذلك؟ قلت: نعم. فمط الرجل شفتيه إلى آخرهما وقال: كل شي بيصير!

التعليق