غزة: 30 سنة من اللامبالاة

تم نشره في الثلاثاء 22 أيار / مايو 2018. 12:00 صباحاً

هآرتس

عمانويل تسيون

21/5/2018

في مقال يلخص الأحداث على حدود القطاع في بداية الأسبوع الماضي، طرح عاموس هارئيل سؤالا وقدم جوابا ثاقبا: "ماذا فعلت إسرائيل لمنع حمام الدم قبل حدوثه. هنا الاجابة هي تقريبا أنه لم يتم فعل شيء. منذ شهرين وأذرع الأمن تحذر من أن البنى التحتية والوضع الاقتصادي في غزة بائس، البطالة في ارتفاع ومعها أيضا الاحباط والغضب" (حمام الدم معروف مسبقا، "هآرتس"، 15/5). واضاف هارئيل "خلال هذه الفترة تسلح رئيس الحكومة ووزير الأمن بوثيقة امنية قالت إنه لا توجد بعد أزمة انسانية في القطاع، فقط وضع انساني غير بسيط".
ولكن مقاربة المؤسسة الإسرائيلية لغزة بشكل عام وبالاساس تطورها الاقتصادي والضائقة التشغيلية فيها ليست ظاهرة جديدة. اللامبالاة ومحاولة اخلاء المسؤولية تميز الحكم الإسرائيلي في غزة منذ ثلاثين سنة تقريبا. عندما سيطرت حماس على القطاع في 2007 اضيف إلى اللامبالاة أيضا الانتقام، على أمل أن تضعضع العقوبات الاقتصادية مكانة حماس. حماس التي هي منظمة ارهابية كسبت بنزاهة هذه العقوبات، لكن ما هو مصير السكان؟ الذين من كثرة اليأس يذهبون الآن إلى الجدار وفي افضل الحالات يصابون.
وعودة إلى موضوع اللامبالاة طويل المدى في علاقة الادارة الإسرائيلية مع السكان الواقعين تحت سيطرتها. هنا يمكنني أن اشهد من تجربتي الشخصية. في 1984 عينت رئيس طاقم تفكير لشؤون الشرق الاوسط اقامه مدير عام مكتب رئيس الحكومة ابراهام تمير. كتحضير للوظيفة تحدثت مع عناصر في اذرع الامن المختلفة. المحادثة الاكثر اهمية كانت مع العميد (احتياط) اسحق سيغف الذي كان حاكم غزة منذ 1979 وتم عزله من وظيفته بعد بضعة أشهر قبل محادثتنا على ايدي رئيس الاركان رفائيل ايتان.
رئيس الاركان قال، حسب سيغف إنه (سيغلف يحب الفلسطينيين أكثر من اللازم ويهتم بأمورهم في الليل والنهار". سيغف نفسه كان قلقا ولكن لسبب مختلف. إسرائيل، كرر وقال، لا تحاول تجنيد استثمارات دولية ومحلية لتطوير اقتصاد القطاع الفقير بعد سنوات طويلة من حكم مصر. المستوى السياسي غير مبال تماما بالعدد الكبير من سكان غزة، وبغياب بنى تحتية، والبطالة المتزايدة في اوساط الشباب، المثقفين، ولا بالضائقة السكنية. قررت أن يكون المشروع الاول لطاقم التفكير الذي اترأسه هو التركيز على غزة وأن يتم بمشاركة رئيس الادارة المدنية الجديد في غزة العميد يشعياهو إيرز ومستشاره للشؤون العربية العقيد دافيد حاخام. حصلنا أيضا على مساعدة من قسم البحث في الاستخبارات العسكرية والشباك.
في حزيران 1985 انتهى البحث. التقرير ارسل كالعادة إلى رئيس الحكومة ووزير الأمن ومدراء عامين في الوزراء ورؤساء الاذرع الامنية المختلفة.
ماذا اكتشفنا في هذا البحث؟ قبل كل شيء وجدنا أن سيغف كان محقا في تشخيصه. وإذا كان قد دعا إلى التعبير عن نفسه بلغة لينة ومنضبطة، لقد اعتقدنا انه يجب دق اجراس الانذار. كان يبدو لنا ان أزمة بنيوية في طريقها إلى القدوم، وان كان العنف في غزة ما زال محدودا وميز فقط اعضاء فتح، وبقايا من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وكذلك جهات سلفية من مدرسة إبن حنبل، الذين ركزوا جهودهم في احراق المساجد التي فيها قبور أولياء كتجذير لعبادة الاصنام.
لماذا خفنا من أزمة؟ غزة كما وجدنا، تميزت باكتظاظ سكاني يصنف بأنه الرابع في العالم. نسبة الولادة تزيد على أربعة أولاد، ونسبة التكاثر الطبيعي هي 4.13 في المئة سنويا. اثناء كتابة التقرير كان يعيش في غزة حوالي نصف مليون فلسطيني، وعلى اساس هذا المعطى قمنا باحتساب عدة توقعات محتملة كلها مدهشة جدا، وتبين أننا فيها كلها كنا مخطئين. اليوم يعيش في غزة 2 مليون شخص تقريبا، أي أن السكان زادوا بأربعة اضعاف خلال ثلاثين سنة.
في غياب الاستثمار في البنى التحتية فإن وتيرة البناء كانت منخفضة جدا. لقد وجدنا أن الاستثمار في هذا المجال لا يغطي وتيرة تزايد السكان، والأخطر من ذلك كان مشكلة التشغيل: كان في غزة عدد صغير من المصانع الصغيرة (في مجال النسيج) التي خصصت للسوق المحلية. الفرع الذي كان يبدو أنه واعد جدا هو فرع الحمضيات الذي كان يمكن تأسيس عليه صناعة العصائر لـ "برتقال يافا"، التي انتقلت من إسرائيل إلى غزة بعد أن تحولت بيارات إسرائيل إلى عقارات تدر الدخل. لماذا لم يقم مبادرون من غزة بانشاء صناعة عصائر فاخرة؟ ببساطة لأن اللوبي الزراعي في إسرائيل وقف بالمرصاد من اجل عدم اعطائهم تراخيص من وزارة الأمن ومن الحكم العسكري في غزة. كان في التقرير أيضا معطيات مختلفة، لكني لا أريد الاثقال على القارئ، يكفي القول إن نسبة البطالة حتى قبل سيطرة حماس كانت اكثر من 30 في المائة.
لسذاجتي اعتقدت أن هذا التقرير سيؤثر، لكن سرعان ما تم ارشفته ونسيانه. صديق صباي كان في حينه وزير وقمت بالتشاور معه، وقال لي انه يجب ان استثمر في تسويق التقرير. وعدم الاعتماد على الصيغ الواضحة والمدهشة. لذلك ماذا كان افضل من التوجه إلى سكرتير الحكومة الذي هو شخص مثقف وله ميول حمائمية واضحة. حددت لقاء مع د. يوسي بيلين الذي استقبلني خلال ثلاثة ايام. كما هو متوقع كان مهذبا وحضر دروسه جيدا.
التقرير كان موضوعا امامه واجزاء مهمة فيه تمت الاشارة عليها باللون الاصفر، لقد استمع الي وسأل اسئلة للاستيضاح، ثم قال لي بشفقة "انظر، أنت كما هو معروف محق، لكن رئيسي هو شمعون بيرس وأنا يمكنني طبعا توجيه اهتمامه للتقرير. هل تعتقد أنه سيدخل في خصومة في هذا الامر مع اسحق رابين؟ غزة هي ضمن مسؤولية وزير الأمن". سألت "لكنه هو رئيس الحكومة وله مسؤولية اعلى". بيلين هز كتفه وقال "في الحقيقة انت تقرأ الصحف وتعرف وضع العلاقة بينهما". افترقنا بأدب وأنا اعرف انه لن يخرج شيء من الجهد الذي بذل في التقرير.
الاجابة على سؤال عاموس هارئيل الثاقب تعود وتظهر الآن بصورة تشبه الفشل الذي حدث عشية الانتفاضة الاولى. اللامبالاة والاهمال تقودنا إلى أزمة جديدة. عندما توجد أزمة فإن اجهزة الامن تعرف كيف ستتعامل معها. المستوى السياسي بالطبع مثلما كان الأمر في حينه سيكون الآن لا يتحمل أي مسؤولية. لماذا يقوم بذلك بجدية من اجل مليوني فلسطيني في غزة.

التعليق