مريول أزرق

تم نشره في الأربعاء 23 أيار / مايو 2018. 12:00 صباحاً

منال أحمد كشت

أنهض بتثاقل كل صباح وأقدم كل أنواع الحجج حتى لا أرتدي مريولي الأزرق وأتوجه الى مدرستي، لكنه شر لا بد منه. وفي الطريق الى المدرسة أراقب تلك الباصات الكبيرة برتقالية اللون التي تحمل الطلبة في زيهم المدرسي الأنيق، وأراهم يتضاحكون ويتمازحون في مقاعدهم الجلدية الوثيرة أثناء لعبهم بهواتفهم النقالة أو حتى ألعابهم الإلكترونية البسيطة.
أحسدهم كثيرا لأنهم لا يشعرون بالهواء البارد الذي يلاطم وجوهنا في الشتاء، ولا يشتكون من لهيب الشمس الحارقة من وراء ستائر شبابيكهم النظيفة. حتى أحذيتهم باهظة الثمن لن تؤلم أقدامهم لأنهم لن يضطروا للمسير لمسافات طويلة لمدارسهم.
أصل إلى مدرستي الكئيبة ذات الجدران المتهالكة، والتي طالما تمنيت أن أرى بعض الرسومات الجميلة على جدرانها، وأحاول جاهدة قضاء بعض الدقائق السعيدة مع أقراني قبل بدء الدوام المدرسي؛ فنتسامر ونلعب ونركض حتى يقرع الجرس فنتوجه الى صفوفنا بانتظام ونجلس في مقاعدنا الخشبية المكتظة فنحن نتشارك "الدرج" مع اثنتين وبالكاد نجد المساحة الكافية لوضع كتبنا ودفاترنا، فما بالك بإمكانية إيجاد مساحة للجلوس براحة من أجل الكتابة.
تدخل المعلمة، التي من الممكن أن تكون شخصا لطيفا في سيناريو حياة طبيعي، ولكن ذلك المكان الكئيب سرق الفرح من روحها فلم تعد تملك الطاقة الكافية للاستمتاع بتدريسنا. ربما لديها الكثير من العمل داخل المدرسة وخارجها، أو ربما تشعر بالقلق على طفلها الرضيع الذي لا تستطيع اصطحابه معها لعدم وجود حضانة للمعلمات داخل المدرسة. أو ربما تشعر بالحنق بسبب راتبها القليل الذي تتقاضاه والذي لا يتناسب أبدا مع المجهود الذي تقدمه. أو ربما تتسبب المناهج لها بالإحباط فهي ليست قادرة على الإبداع في ظل منهاج مكدس ينبغي إنهاؤه قبل نهاية العام. وربما كانت الغرفة الصفية المكتظة بالكثير من الطالبات سببا في شعورها بالعجز.
سأجلس في ذلك المكان القبيح لأكثر من خمس ساعات بلا مقاعد مريحة، ولا تهوية مناسبة، ولا زجاج للشبابيك. سأجلس في تلك الغرفة البشعة بلا ستائر نظيفة ولا شعور بالدفء. سأجلس في تلك المساحة الضيقة لأسمع وأسمع وأسمع الكثير من الدروس التي أعجز عن فهمها، ولكن مفروض علي أن أحصل على أعلى الدرجات لأن عائلتي لن تتمكن يوما من إدراجي في جامعة خاصة. وقتها سأضطر لإنهاء تعليمي والحصول على أي عمل أو أن ينتهي بي المطاف في بيت الزوجية.
يدق جرس "الفرصة" ونركض جميعا للخارج لتنفس الحرية تحت أشعة الشمس الباهتة، وأحاول جاهدة ألا أضطر لاستخدام دورات المياه؛ فهي قذرة، قذرة جدا وبالية، كما أنني أخاف من أن أتعرض للتنمر أو حتى التحرش داخلها لأنني قد لا أجد من يحميني أو يساعدني وقتها.
خلال الاستراحة أفكر بالموسيقى والفن والتمثيل، فأنا حقا أهوى هذه الأمور، وأتساءل لماذا نحن محرومون منها. أعود الى الغرفة الصفية الباردة وأتجرأ وأسأل معلمتي عن تلك المواد، لتأتي الإجابة غامضة غير منطقية ويطلب مني التركيز بالحصة و"عدم التفلسف" فأهْجُر أحلامي بمدرسة نظيفة وصف دافئ ومقاعد تتسع لنا جميعا وساحات تستوعبنا ومناهج نتعلم منها، وأعود للتفكير برحلة العودة الى البيت بحذائي الذي تمزق هذا الصباح.

التعليق