إبراهيم غرايبة

الإلهي والإنساني في التدين وفهم الدين

تم نشره في الخميس 24 أيار / مايو 2018. 12:06 صباحاً

ثمة إشكالية معقدة متصلة بفهم الدين وفي فضاء عمله وتطبيقه .. أو بعبارة أخرى التمييز بين المقدس والإنساني في الشأن الديني، فأن يكون تأسيس الدين على نص يؤمن أتباعه أنه نزل من السماء لا يعني أن يكون أيضا مقدسا ونزل من السماء كل ما يتصل بالدين وفهمه وفي علائقه المعقدة بالمجتمع والفرد والفلسفة والاقتصاد والسياسة، فالقداسة تقتصر على النص نفسه الذي يعتقد المؤمنون به أنه نزل من السماء، لكن ذلك لا يمتد إلى متواليات وسياسات كثيرة ومختلف حولها بالنسبة للدين.
وفي ذلك فإنه ليس مفيدا في شيء، بل هو ضرر وخلل كبير ان ينشئ باحثون ودعاة توفيقا بين الدين وبين الحداثة. إذ لا يمكن الخروج من المأزق إلا بأنسنة الإنساني أي ردّ العالم المشهود إلى العقل دون انشغال بالتوفيق ببن العقلي والديني. وردّ الميتافيزيقي إلى الميتافيزيقيا دون أن يؤثر ذلك على الحياة في العالم المشهود.. وهذا هو معنى عالم الغيب وعالم الشهادة.  وليس مهما ويجب ألا يعني شيئا أن الدين يؤيد أو يعارض الحداثة أو التقدم أو التخلف أو الديمقراطية أو أساليب الحياة واتجاهات الطعام واللباس، .. أو كروية الأرض..
لا أقلل بالطبع  من الجهد المعرفي للإسلاميين على مختلف اتجاهاتهم ونواياهم ومواقفهم، لكن تحويل هذه المعرفة إلى عمليات دعوية وإعلامية وتيارات دينية واجتماعية لا يختلف في شيء عن تسويق الدواجن.
وبالمناسبة فإن سيد قطب مفكر عظيم و مثقف ثقافة واسعة وعميقة وشاعر ورائي وناقد وباحث اكاديمي يتمتع بمستوى متقدم ويملك مقدرة لغوية وتعبيرية هائلة.. لكن ويا لسوء الحظ فقد كان ذلك كله وربما ليس بإرادته تكريسا للتطرف والكراهية، ولا مناص من الإقرار أن سيد قطب منح التطرف تماسكا وقوة وتأثيرا عميقا في العقول والقلوب.
ومن قبل كان أبو حامد الغزالي عالما بالفلسفة أكثر من فلاسفة عصره لكنه استخدم معرفته الواسعة وذكاءه وتأثيره الديني في تدمير المنهج العلمي في فهم الدين، .. لقد أنشأ قاعدة علمية ودينية متماسكة وصلبة لتكريس الجمود والتبعية ومحاربة الاجتهاد والإبداع. وربما يكون المتطرفون اليوم أكثر فئة في المسلمين معرفة بالكمبيوتر والانترنت والأكثر خبرة واستخداما في هذا المجال .. لكنه تقدم تكنولوجي أنشأ التخلف والكراهية والكوارث.
لقد كان عمرو خالد قبل 15 - 20 سنة موضة إسلامية جميلة.. وقبله كان المحلاوي والقطان وكشك نجوما إسلامية. وما يبدو عليه اليوم عدنان إبراهيم ومحمد شحرور من إبداع وتنوير واعتدال لن يظل ينظر إليه كذلك بعد عشر سنوات، تماما كما كان يبدو الدعاة من قبل مجددين ومبدعين وحداثويين.
المشكلة طبعا مش في محمد شحرور ولا عمرو خالد، وكل الناس على أي حال خير وبركة، لكن القضية الأساسية هي أن فهم الدين وتطبيقه عملية فردية مستقلة وذات خصوصية محدودة بين المؤمن وبين الله بلا وساطة ولا حاجة إلى أحد، وكل مؤمن ينشئ فردا صراطه المستقيم، ويلاقي الله يوم القيامة فردا، وأما تحويل فهم الدين إلى عمليات جماعية منظمة فإنه يحول الدين نفسه ومعه المقدس إلى موضات واتجاهات اجتماعية وسياسية. وهذه مسائل متغيرة ونسبية وغير يقينية، .. وهذا أيضا ليس خطأ. لكنه ليس دينا.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ما هــذا ؟؟؟ (" محمد مشهور" شمس الدين)

    الخميس 24 أيار / مايو 2018.
    اليس هناك "فكر واعي" يهدم فلسفة الدين على انه "ارهاب" .. ويرتكز على التعاليم الساميه للدين الاسلامي في كل اوجه الحياة في المجتمع ؟؟؟؟