حنان كامل الشيخ

"صلاح"

تم نشره في الثلاثاء 29 أيار / مايو 2018. 12:00 صباحاً

ثلاث دقائق كاملة انقطعت فيها أنفاس عشرات ملايين المتابعين، لمباراة دوري الأبطال قبل أيام، بسبب ضربة قاصمة على كتف اللاعب العربي محمد صلاح.
واختيار مفردة "العربي" ليس مصادفة، لأنه وبجانب المائة مليون متابع من جمهورية مصر العربية، وملايين آخرين في المملكة المتحدة، فإن محمد صلاح يكاد يكون اللاعب العربي الوحيد الذي اجتمعت عليه مشاعر وقلوب الجماهير العربية، في السنوات الأخيرة، رغم وجود لاعبين كثر من أصول عربية في النوادي الأوروبية.
فحين تسأل بائعا على بسطة في بغداد مثلا، سيبرر تعلقه بالنجم المصري صلاح، بسبب تواضعه الجم وأخلاقه الطيبة. في حين يمكن أن ترد عليك أم في عمان أنها جسدها يقشعر حين تراه يسجد لله شكرا بعد كل هدف يسجله في مرمى الخصم. أما الطفل الذي يرتدي قميص صلاح صيفا شتاء في تونس، فمن المؤكد أنه سيقول إنه سيكون محمد صلاح يوما ما حين يكبر.
هذا طبعا بالإضافة إلى الحالة التي صنعها البطل الرياضي، في نفوس البقية الذين لم يكونوا ليتخيلوا يوما أنهم سيشجعون ناديا انجليزيا ضد أي ناد إسباني من أجل اسم واحد!
هذا الرجل الذي لم تنقطع أواصر علاقته مع أصغر تفاصيل ماضيه المحدود اجتماعيا ومهنيا وماديا، الرجل الذي لم يتعال على الأيام الصعبة، والظروف المتعبة التي يعاني منها غالبية أبناء الشعب المصري والعربي، وظل وفيا للبلدة الصغيرة والمدرسة وساحة الكرة المتواضعة، ويذكر نفسه قبل أي أحد آخر، بأن الشهرة والمال والاستحقاق والجوائز، هي جزء من كل، عكس نفسه تلقائيا على صورته الرياضية والأخلاقية والأسرية.
كلنا بتنا نعرف أهله وحارته وزوجته وابنته "مكة"، وكلنا تماهينا مع قصته الجميلة وكأننا أبطال في الحكاية، بمجرد أننا ندعو له أو نخاف عليه أو نبكي معه أو نتأوه وإياه، فقط لأنه ببساطة سحب من تحت أقدامنا سجادة العلاقات الوهمية، وقفز فوق كذبات التواصل الاجتماعية، وأعادنا بجمال ضحكته الطيبة وملامحه التي تشبهنا، إلى الملعب الحقيقي.
هذا النموذج العربي للصعود والنجاح والتألق، المصاحب للحب والتواضع وخفة الظل، هو حبل نجاة جاء في موعده تماما، لينقل للعالم أجمع، صورة مبهجة إيجابية واعدة ومسالمة للإنسان العربي، الذي عانت سمعته وتقهقر صيته في بلاد صنعت القنبلة ثم انفجرت بوجهها، لتقول للدنيا هاكم العرب المسلمين، لا يستحقون إلا الدمار أو الاستعمار!
هذا الرجل الذي ألفت لأجله أناشيد وأهازيج بمنتهى الجمال، من قبل شعب من أصعب شعوب العالم في تقبل الآخر غير الأوروبي، ظل متمسكا بحقه في البقاء على سجيته والاحتفاظ بتقاليده وأعرافه، لأنه مؤمن بأن الوصول إلى العالمية يجب أن ينطلق من قعر المحلية، والشاهد أفعاله وتصرفاته ودماثة أخلاقه.
كان يوما صعبا على عشاق النجم محمد صلاح، المنتظرين بشغف ركلاته الإبداعية وصولاته الكروية أمام ناد ليس سهلا أبدا. فحتى مشجعي النادي الإسباني من العرب والأجانب صرخوا مع محبي صلاح في اللحظة نفسها، حين تلقى الضربة وسقط على الأرض. وهذا إن دل فإنما يدل على حب الناس بطبيعتهم وسجيتهم للإنسان الذي يشبههم.
عموما، لا خوف على رجل لم يدر كتفيه لشعبه وأهله ومحبيه يوما، أن يصاب في كتفه ولا يقوم!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »يوجد الكثير من محمد صلاح (عبدالوهاب الرهونجي)

    الثلاثاء 29 أيار / مايو 2018.
    سيدتي اشكرك على هذا المقال ومفاده ان العرب ملهوفين للالتفاف مع اي نجاح عربي حتى ولو كان فردي وفي هذا الزمن العرب يغتال اخيه العربي ولا يعرف السبب سوى الدسائس المغرضة . سيدتي اننا في زمن في شديد الحاجة لهذه النجاحات لتوحد الصوت العربي الشعبي,ويوجد الكثير منها في كثير من المجالات العلمية والعملية مثال ولا الحصر مركز د.احمد زويل للأبحاث العلمية ومدى النجاح البحثي والعلمي الذي وصل اليه مقارنة بالجامعات العالمية والجامعات الأردنية العفنة التي تخرج شبه اميين " مش عارفين يحكوا كلمتين على بعض " تحياتي