التدخين: متى ندق ناقوس الخطر؟

تم نشره في الأربعاء 30 أيار / مايو 2018. 12:00 صباحاً
  • ظاهرة التدخين تؤدي الى إصابة الإنسان بأمراضٍ عديدة مثل تصلب شرايين القلب-(أرشيفية)

د.جودت أحمد المساعيد

لا توجد ظاهرة سلوك بشرية أجمع الناس باختلاف أجناسهم وألوانهم ومذاهبهم ومعتقداتهم وأوطانهم، على آثارها الضارة جسمياً ومادياً مثل التدخين. تلك الظاهرة التي انتشرت بين الأفراد والشعوب، انتشار النار في الهشيم، كي تحرق الأموال بسرعة وتقضي على العمر ببطء.
وقد أثبت العلم الحديث والطب المعاصر بما لا يدع مجالاً للشك، أن ظاهرة التدخين تؤدي الى إصابة الإنسان بأمراضٍ عديدة مثل تصلب شرايين القلب، والسُعال الحاد المزمن، والالتهاب المؤلم للصدر، وسرطان كلٍ من الفم واللسان والحنجرة والمريء، وذلك بالنسبة للذكور والإناث معاً، في حين يعد التدخين من بين العوامل المهمة المسببة لسرطان عنق الرحم بالنسبة للإناث، إضافة الى التأثير الضار على الجنين؛ إذ يقل وزن الطفل عند الولادة من أم تتعاطى التدخين بنسبة 10 % على الأقل عن وزن الطفل العادي من أم لا تمارس هذه العادة الضارة.
هذا ناهيك عن ظهور مشكلة التدخين السلبي Passive Smoking، لا سيما وأن المدخن يؤثر سلباً على من حوله من الناس غير المدخنين؛ حيث تجبرهم الظروف على استنشاق الهواء المليء بالدخان داخل الحافلات أو السيارات الخاصة أو العامة، أو خلال المشاركة في المناسبات الاجتماعية المختلفة من أفراح أو أتراح، مما يشجع على ظهور أعراض سرطان قرحة المعدة تارة وقرحة الاثني عشر تارة أخرى. كما أثبتت الأبحاث الطبية أن حوالي 80 % من المصابين بسرطان الرئة هم من المدخنين، وأن نسبة الاستجابة للعلاج من جانب المصابين بقرحة المعدة أو بقرحة الاثني عشر من غير المدخنين هي أعلى بكثير من استجابة المصابين بهذا المرض من المدخنين.
ورغم كل هذه الأمراض والأعراض التي تكلف ميزانية الحكومات أموالاً طائلة، يتم قطعها عن أفواه المحتاجين للطعام المتوازن والشراب النقي، والذي كان بالإمكان وصوله إليهم لولا التكاليف المادية الباهظة التي تضيع هنا وهناك من أجل علاج المصابين بالأمراض الناجمة عن التدخين.
ومع أن أجهزة الإعلام قد امتنعت عن السماح بنشر الدعايات الخاصة بالتدخين، والاستعاضة عنها بإظهار مضاره المختلفة، مع عقد الندوات العلمية والتربوية والاجتماعية المتنوعة، ونشر المقالات التشخيصية والعلاجية الهادفة، ورغم أن بعض الدول قد فرضت فعلاً على الشركات التي تنتج التبغ والسجائر وتعمل على تسويقهما، دفع مليارات الدولارات لتعويضها عن الخسائر المادية الهائلة التي تنفقها على المرضى، إلا أن ظاهرة التدخين في ازدياد مستمر من حيث الانتشار في الأوطان والأمصار، وتعميم الأمراض والأضرار.
وإذا ما أدركنا السبب الأساس في انتشار هذه الظاهرة السلبية لدى فئة اجتماعية معينة والعزوف عنها لدى فئة أخرى، لتبين لنا جميعاً أن السبب في ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى الصراع الدائم بين العلم والجهل، وبين المسؤولية واللامبالاة، وبين النضج والطيش، وبين النفع والضرر.
ففي المراهقة والطيش يكمن الجهل الحقيقي بمضار التدخين المادية والجسدية. ففئة المراهقين غالباً ما تعتقد بأن التدخين يمثل نوعاً من إثبات الرجولة والاستقلالية في عملية صنع القرارات أو اتخاذها، بعيداً عن تأثير كبار السن من الوالدين أو الأقارب أو الأصدقاء. وعندما يكبر هؤلاء، يدركون جيداً بأنه ليست هناك علاقة بين الرجولة والتدخين، أو بين الاستقلالية وهذه العادة السلبية، التي لو اطلع على مخاطرها هؤلاء جميعاً قبل ممارسة التدخين لابتعدوا عنها وإلى الأبد.
كما أنه لو أدرك قطاع من النساء المدخنات، بأن عملية التدخين ليست مظهراً اجتماعياً راقياً يميزهن عن نساء الطبقات الفقيرة، بل هو تدمير لصحتهن وصحة فلذات أكبادهن حالياً أو مستقبلاً، لأقلعن فوراً عنها بلا شك.
وإذا انتقلنا الى انتشار هذه الظاهرة الخبيثة بين قطاع ليس بالبسيط من الطلبة في المدارس والمعاهد والجامعات، لوجدنا أنها تعود بالدرجة الأساس (إضافة الى الأسباب سالفة الذكر) الى محاكاة رفاق السن الذين يدعون أو حتى يتفاخرون عن جهلٍ، بأن مثل هذه الظاهرة تخفف من متاعب الدراسة وأعبائها الثقيلة، وتشعرهم بالارتياح والهدوء أحياناً، بعيداً عن مطالبها المتزايدة.
كما أنهم في الوقت ذاته، يشجعون زملاءهم الآخرين على ممارسة عادة التدخين، لأنها تمثل من وجهة نظرهم إحدى مظاهر الثورة الحقيقية على العادات والتقاليد والأوامر والنواهي، التي يعتقدون بأنهم يعيشون في ظلالها، سواء على مستوى الأسرة الواحدة أو على مستوى المجتمع بأسره. وما عليهم في هذه الحالة، إلا أن يشعروا بالحرية أو الاستقلالية في اتخاذ ما يرونه من قرارات، وهم بذلك لا يدركون بعد بأن الناس لا يمكنهم العيش بدون أنظمة وقوانين مرعية، وبدون عادات وتقاليد وأعراف صالحة متوارثة ثبت نجاحها بالتجربة الطويلة، وتعمل جميعها على تنظيم حياتهم وطرق تعاملهم مع بعضهم بعضا، حتى يتميزوا بها عن حياة الفوضى واللامبالاة والعشوائية والارتجالية في التصرفات والأعمال، والتي بدورها لا تضر بالصحة الفردية فحسب، وإنما تتعداها إلى الضرر المجتمعي الواسع، الذي يستدعي من الأفراد والجماعات والمؤسسات العامة والخاصة، أن تسرع في دق ناقوس الخطر لحماية الأجيال المتعلمة الصاعدة، التي تمثل مستقبل البلاد والعباد، ليس من ناحية الصحة الجسدية فقط، وليس من الجوانب المالية فحسب، بل ومن النواحي الإنتاجية الفعلية قبل هذا وذاك.

التعليق