ماجد توبة

وقفة مع يوم مختلف!

تم نشره في الأربعاء 30 أيار / مايو 2018. 11:05 مـساءً

أمس الأربعاء كان يوما حافلا وغير عادي، رغم تفاوت التقييم لحجم ومدى الالتزام بالإضراب الذي دعت له النقابات المهنية وفعاليات شعبية وحزبية واقتصادية متنوعة، رفضا لمشروع قانون ضريبة الدخل الجديد. وبعيدا عن الجدل الذي احتدم وسيحتدم بين الحكومة والفعاليات الداعية للإضراب، حول نجاحه من عدمه، فإن العديد من المؤشرات والاستخلاصات يمكن الخروج بها في هذه العجالة.

الأولى؛ هي أن مثل هذه الدعوة للإضراب عن العمل على مستوى مختلف المؤسسات والقطاعات، تعد سابقة منذ سنوات طويلة، بغض النظر عن حجم الالتزام بها، وبإجماع من النقابات المهنية التي تصدرت، كما لم تتصدر منذ اكثر من عقدين، الدعوة لتحرك شعبي واسع لمطالب سياسية واقتصادية عامة، فيما احتشدت لأول مرة في مجمع النقابات المهنية وبمحيطه هذه الأعداد من الساخطين على السياسة الاقتصادية للحكومة.  

وبنظرة عامة على التحرك أمس، فان أحدا لا يمكن له أن يحشر هذا التحرك او الاحتجاج غير المسبوق بالموقف من مشروع قانون ضريبة الدخل وحده، فالرسالة التي يريد ان يوصلها المحتجون تتجاوز قانون الضريبة الى محاكمة ورفض كل السياسة الاقتصادية الرسمية، وما تسببت به من تدهور معيشي واضح لشرائح واسعة من المواطنين، ومن ضمنها الطبقة الوسطى التي تكاد تنسحق على وقع القرارات والاجراءات المالية والاقتصادية الي تنهال منذ سنوات من قبل الحكومات المتعاقبة، ضمن ما سمي بـ"الاصلاح الاقتصادي" وخفض العجز بالموازنة وتحرير الاسعار ورفع الدعم عن سلع ارتكازية. 

لم تكن سياسة وقرارات الحكومة الحالية هي وحدها محل الاحتجاج والرفض يوم أمس، بل هو يطال مجمل السياسات الاقتصادية والمالية الرسمية على مدى السنوات الماضية، والتي وسعت من حجم المتضررين، ليس فقط بين الافراد، بل وطالت القطاعات الاقتصادية المختلفة، وأنهكتها حتى وصلت إلى مرحلة عدم القدرة على تحملها، ما دفع العديد منها للخروج من السوق، وترك الكثير منها في أزمة ومعاناة شديدة .

جانب آخر من الصورة التي يمكن استخلاصها من المشهد العام أمس، هو في تقدم المجتمع المدني لأخذ زمام المبادرة في التعبير عن تداعيات الأزمة الاقتصادية والسياسات الرسمية. ورغم السخط الحكومي من إقدام النقابات المهنية وفاعليات اقتصادية منظمة على تصعيد احتجاجها ضد القرارات والتوجهات الحكومية، فإن الواقع هو ان التعبير المدني السلمي عن المعارضة والاحتجاج هو امر مطلوب لأكثر من سبب، لأنه، أولا يرشد القرار الرسمي ويقدم تغذية راجعة حقيقية للتوجهات الرسمية، ولأنه ايضا يكون بديلا سلميا وحضاريا وايجابيا عن التعبيرات السلبية الاخرى برفض تلك السياسات.

فيما يتعلق بهذه الاخيرة، اي التعبيرات السلبية الاخرى عن الاحتقان والمعاناة المجتمعية من السياسات الاقتصادية، يمكن الاشارة هنا الى اتساع ظواهر التنمر على القانون واللجوء للعنف الفردي والجماعي، واتساع الظواهر الجرمية والاجتماعية السلبية، في ظل تزايد المعاناة المعيشية واتساع البطالة وحدة الفقر. كل هذه التعبيرات والظواهر السلبية باتت خلال السنوات القليلة الاخيرة مكمن القلق الحقيقي في المجتمع. 

الى ذلك، فان التعبير الاحتجاجي الذي جرى امس، يمكن ان يشكل رسالة واضحة ومنتجة ايضا الى المؤسسات الدولية وصندوق النقد الدولي، والى العديد من الجهات الاجنبية المعنية، والتي تضغط على الاردن والحكومة لتمرير سياسات وقرارات قاسية على الناس والقطاعات الاقتصادية والانتاجية، دون مراعاة لأبعادها السياسية والاجتماعية الصعبة. 

ما جرى امس من تحرك سلمي احتجاجي مهم، يجب ان يؤسس لدى الحكومة ومجلس النواب لمرحلة جديدة في التعاطي مع السياسة الاقتصادية والمالية، ويتطلب – لمن يريد ان يستفيد- نهجا اقتصاديا مختلفا يعتمد على التوافقات الوطنية المبنية على حوارات حقيقية ومسؤولة، وسياسات شفافة تؤسس لشراكات حقيقية للخروج بوطننا من عنق الزجاجة!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »هل تكبر الازمة في ظل غياب سياسة الحوار والاصرار على اللقاءات الشكلية؟ (صحفي مهيكل)

    الخميس 31 أيار / مايو 2018.
    استاذ ماجد .. كل عام وانت بالف خير.
    مما جاء في مقالك الكريم عبارة - لمن يريد ان يستفيد - فهل تستغل الحكومة الفرصة وتنفي عن نفسها فكرة انها غائبة عن سياسة الحوار وانها تذهب إلى عقد اللقاءات الاستعراضية الشكلية بسبب حالة اضطرار؟.
    هل ستاخذ الحكومة رأي شعبها عندما تريد تنفيذ قرارات حاسمة خصوصا في القضايا التي تتعلق بموضوع الضرائب والتحصيلات المالية التي يتحمل المواطن كلفتها؟.
    وانا كذلك ارجو أن يستفاد من تحرك يوم "الاربعاء السلمي" في تاسيس نهج اقتصادي مختلف يعتمد على التوافقات الوطنية المبنية على حوارات حقيقية ومسؤولة، وسياسات شفافة تؤسس لشراكات حقيقية للخروج بوطننا من عنق الزجاجة.