"حسب المنايا أن يكن أمانيا"

تم نشره في الجمعة 1 حزيران / يونيو 2018. 11:05 مـساءً

"في عمري، أو حتى في عمر أقل من عمري، لا يطلب أحدنا إلا أن يكون له الحق باختبار الموت عندما يرى أنه الوقت المناسب لذلك"، بهذه الكلمات لخص عالم النبات البريطاني الأسترالي الشهير، ديفيد جودال، ابن الـ104 أعوام، موقفه من القرار الجدلي الذي اتخذه بإنهاء حياته من خلال ما يعرف بـ"الموت الرحيم"، واختار سويسرا مكانا لذلك؛ حيث إن القوانين الأسترالية ومعها معظم الدول تجرم هذا الفعل، فهو مباح في عدد قليل من الدول، مما أدى الى نشوء العديد من الجمعيات التي تتبنى شعار "الحق في الموت".
وليس بعيدا عن الموضوع المقابلة الصحفية التي أجريت مؤخرا مع أحد أبرز عمالقة الرواية العربية "حنا مينه"؛ حيث بدا من خلالها كئيبا بائسا وحيدا يطلب الموت غير عابئ بالحياة ولا نادم على مفارقتها.
لست هنا بصدد إجراء مقاربة حول موضوع الموت الرحيم، فقد قطع مشرع السماء وجل مشرعي الأرض في هذا الموضوع قول كل كاتب، لكني أتناول هنا التقدم في العمر كأحد الأعراض الجانبية لما يسمى برفاه البشرية؛ حيث نتج عن التطور في الطب والرعاية الصحية زيادة كبيرة في متوسط أعمار البشر وفي أعداد المعمرين منهم، فقد أصبحنا نتحدث عن مجتمعات شائخة، ففي بلدنا على سبيل المثال يتوقع أن يتضاعف عقد المعمرين أربع مرات خلال العشريات الثلاث المقبلة.
فقد سعى الإنسان منذ القدم الى الخلود أو على الأقل الى إطالة المكوث في هذه الحياة ولم ينتبه الى أن الحياة لا تعد بالأعوام، وليست مسألة أرقام توضع في إعلانات النعي وفي تقارير منظمات الصحة وإنما بمدى جودة هذه الأعوام.
فقد أصبحت مسألة إطالة عمر المواطنين أولوية صحية تتباهى بها الدول وتعمل على تحسينها، وحتى على المستوى الفردي فإننا نمارس الأنانية حتى مع من نحب نتمنى لهم طول العمر ونحن نراهم ينأون بعبء السنين، ساعين بذلك الى تأجيل ألم وحزن الفراق.
فمع التقدم في العمر، يبدأ الجسد بالاستسلام والحواس بالانسحاب التدريجي والملذات والمباهج بالتضاؤل، مخلفة جسدا باليا، وتفكيرا يائسا ينتظر المحتوم ويستعجله.
يجب على البشرية الكف عن العمل على إطالة العمر واعتباره كأحد أبرز مؤشرات نجاعة الأنظمة الصحية من خلال تدخلات طبية لا تؤدي إلا الى إطالة المعاناة الإنسانية واستبدال ذلك بالعمل على تحسين جودة هذا العمر والنظر الى النوع لا الكم من خلال الاستثمار في الرعاية الصحية والاجتماعية والنفسية لهذه الفئة المهمشة.
وصدق رب العزة؛ إذ يقرر "ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون"، فالشيخوخة حداد العمر وهي ردة الى الطفولة لكنها طفولة بائسة منزوع منها الفرح والأمل ومتعة الانتظار.

التعليق