د.أحمد جميل عزم

موسكو ترعى "الاتفاق اللبناني" في سورية؟

تم نشره في الخميس 7 حزيران / يونيو 2018. 12:06 صباحاً

تجري مفاوضات غير مباشرة إسرائيلية – سورية، عبر روسيا، بشأن دخول القوات السورية النظامية، للمناطق الجنوبية، من سورية، وتحديداً منطقة درعا، والنقطة الأساسية التي يدور حولها الحديث، مسألة عدم تواجد القوات الإيرانية، وحزب الله اللبناني، من هذه المنطقة، مقابل عدم إعاقة تقدم الجيش السوري. هذه المفاوضات تشير إلى ثلاث نقاط أساسية، الأولى، مدى التنسيق الروسي-الإسرائيلي في سورية، والثاني، المنظور الإسرائيلي "الواقعي" (النظرية الواقعية) بشأن القوات الإيرانية، والثالث، "البراغماتية" الإيرانية- السورية، في سورية.
طبيعة ما يحدث، أو ما يقال أنّه يحدث، من مفاوضات (بحسب المصادر المذكورة لاحقاً)، هو استنساخ للتفاهم السوري الإسرائيلي، في لبنان منذ سبعينيات القرن الفائت (1976) وحتى خروج القوات السورية، العام 2005.    
انتشرت القوات الروسية الأسبوع الماضي، قرب الحدود اللبنانية، دون تنسيق مع النظام السوري أو إيران وحزب الله، وحُل الموقف يوم الثلاثاء، بدخول قوات النظام للمواقع التي تمركز فيها الروس، في مدينة القصير، وذلك كما نقلت وكالة "رويترز". ونقلت الوكالة عن ضابط سوري، قوله إنّ الخطوة الروسية لا علاقة لها بمحاربة جماعة "النصرة"، لأن قوات النظام وحزب الله هزمتهم هناك، وأنّ الخطوة "ربما لطمأنة الإسرائيليين".  هذا الحادث، كما تقول "رويترز" غطّته قناة الميادين القريبة من النظام السوري.
لا يمكن تجاهل فرضية الربط بين هذه الخطوة وما قاله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عندما زاره نظيره السوري، بشار الأسد، يوم 18 أيار (مايو) 2018، أنّ القوات الأجنبية ستترك سورية في نطاق عملية سلام، وهذا بالتأكيد مُرضٍ لكل من النظام السوري، الذي يستطيع أن يقول إنّ الوجود الأجنبي انتهى ولم يعد مهماً، ومُرضيا لإسرائيل، التي من وجهة نظر "واقعية" تقليدية، ترفض رؤية أي قوات قوية في محيطها القريب. وفي نهاية شهر أيار، صرح سيرجي لافروف، أكثر من مرة، كما نقلت وكالة "تاس" الروسية، أنّ أي قوات أجنبية عليها مغادرة منطقة درعا، على الحدود الجنوبية، السورية، القريبة من الإسرائيليين. وتزامنت هذه التصريحات مع زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، لروسيا.
شكر ليبرمان الروس على تفهمهم المطالب الأمنية الإسرائيلية، وبحسب وكالة أنباء "بلومبيرغ"، فإنّ "التفهم" أو التفاهم يتضمن ألا تشارك الدفاعات الجوية بالتصدي لأي غارات إسرائيلية في سورية ضد أهداف إيرانية، وعدم إدانة هذه الضربات.  
في الواقع أن القوات الإيرانية وحزب الله، ناهيك عن القوات الروسية، لم تدخل بهدف متعلق بالإسرائيليين، بل لحفظ النظام السوري. والجانب الروسي، لا يريد صداما في سورية كالذي بدت نذره يوم 10 أيار عندما تبادل الإيرانيون والإسرائيليون القصف، في منطقة الجولان. ويبدو أنّ الآلية التي تعمل موسكو، عليها ألا تشارك إيران وحزب الله في عمليات قريبة من الحدود الإسرائيلية، وقد نشر موقع "المونيتور" نقلا عن صحيفة روسية حديث مسؤول حزب الله، لها، بأنّه إذا رأى النظام السوري عدم مشاركة الحزب في الهجوم المرتقب في درعا، قد يوافق الحزب على ذلك، وهو ما يشير لبراغماتية تتعلق بالحرص على الهدف الأساسي (محاربة أعداء النظام السوري). وينقل "المونيتور" عن القناة الأولى الإسرائيلية، أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، طلب من بوتين إمكانية بقاء القوات الإيرانية، وحلفائها (حزب الله)، بعيدة 70- 80 كم، عن الحدود الإسرائيلية. وهذا الطلب شبيه بما كان السوريون يطبقونه في لبنان، حيث توجد "خطوط حمراء" لا تصلها القوات السورية، مثل جنوب لبنان، وهو ما حافظت عليه دمشق حتى في حالات في مثل حرب 1982، التي شاركت فيها بشكل محدود ومحسوب للغاية.    
ربما لم تتبلور التفاهمات في سورية بعد، ولكن الجانب الإسرائيلي، الذي وقف إلى حد كبير ينظر إلى الدخول الإيراني في سورية بصمت حتى بدا أن المعركة الداخلية تكاد تنتهي، يبدو أنه يدرس الآن تحجيم هذا الوجود. من وجهة نظر واقعية عسكرية، يهم الإسرائيليون ألا تكون هناك قوة قريبة منهم، حتى لو لم يكن لهذه القوة نوايا قريبة في عمل ضدهم. ومن المصلحة الإسرائيلية استنزاف حزب الله، في الساحة السورية. 
يبدو سيناريو الخطوط الحمراء الذي ساد في لبنان بين الإسرائيليين والنظام السوري مرشحاً للتكرار في المستقبل السوري القريب. 

التعليق