وقد خاب من حمل ظلماً

تم نشره في الجمعة 8 حزيران / يونيو 2018. 12:00 صباحاً

د. أحمد القرالة

حرم الإسلام الظلم ونهى عنه بأشد الصيغ والعبارات، وحذر منه أبلغ ما يكون التحذير، نظراً لخطورته وآثاره السلبية على الأفراد والمجتمعات، ومن يتأمل الآيات القرآنية التي تتحدث عن الظلم يجد أن هذه الآيات حذرت من عواقب الظلم ومآلاته، فهو سبب هلاك الأمم وزال الحضارات؛ لأنه يؤدي إلى وأد الإبداع وتدمير المواهب وقتل الانتماء، وضياع الحقوق، وهذا ينعكس سلباً على الحياة بمجملها، فيتراجع الاقتصاد وتتردى الأخلاق وتفسد الضمائر، وينتشر النفاق وسوء الأخلاق، فتضعف الدولة ويزول سلطانها، وهو ما عبر عنه قوله تعالى: "وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ"، وفي هذا يقول الماوردي صاحب الكتاب البديع أدب الدين والدنيا: "وليس شيء أسرع في خراب الأرض ولا أفسد لضمائر الخلق من الجور"، ويقول فيلسوف الحضارات ومؤسس علم الاجتماع ابن خلدون إن الظلم "مؤذن بخراب العمران"؛ أي زوال المدنية والحضارة، فلا فلاح ولا نجاح مع الظلم والاستبداد، قال تعالى: "إنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ".
لأجل ذلك، نهى الإسلام عن الظلم ومناصرة الظالمين، فقال تعالى: "وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ"، وحيث إن الظلم لا يكون إلا حيثما كانت القوة أو السلطة، فقد حذر القرآن الكريم أصحاب القوة أو السلطة من أن تعمي السطلة أبصارَهم أو تصم القوةُ أسماعَهم عن رؤية ظلمهم والاستماع لآهات المظلومين وصرخاتهم، فقال تعالى: "وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ"، وقال تعالى:" إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا".
ودعا القرآن الكريم الظالمين إلى الانكفاف عن ظلمهم ورد الحقوق لأصحابها، قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه ندم ولا حسرة، فقال تعالى:" فَيَوْمَئِذٍ لَّا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ"، وقال تعالى: "وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا".
وبين القرآن الكريم أن للظلم صوراً كثيرة ومظاهره متعددة، تبدأ بظلم النفس بالمعاصي وارتكاب الشرور والآثام، فقال تعالى: "وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً".
وتنتهي بظلم الآخرين وهضم حقوقهم، وقد اعتبر القرآن ظلم الآخرين ظلماً للنفس وإساءة لها، فقال تعالى: "وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ"، فالآية الكريمة اعتبرت ظلم الزوجة ليس سوى ظلم للنفس، وأي سوء أشد وأشنع من أن يظلم الإنسان نفسه!
ولما كان الظالم متعدياً في فعله، متعسفاً في تصرفه باغياً في سلوكه، فقد أعطى القرآن الكريم للمظلوم الحق في مقاومة الظلم والوقف في وجه الظالم والأخذ على يديه ومنعه من الاستمرار في ظلمه، فقال تعالى: "وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ".
وإذا كان الخالق عز وجل وهو القادر على الظلم من دون حساب أو عقاب أو استئناف تنزه عن الظلم وامتنع عنه، بل حرمه على نفسه، فقال تعالى: "وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيد"، وقال تعالى: "إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ"، فكيف يظلم العاجزُ والضعيفُ؟ وكيف يظلم من هو مسؤول عن ظلمه ومحاسب عليه؟

التعليق