علاء الدين أبو زينة

5 حزيران وأحمد سعيد..!

تم نشره في الأحد 10 حزيران / يونيو 2018. 12:08 صباحاً


لو رحل أحمد سعيد في يوم آخر غير 5 حزيران (يونيو)، ربما لم تكنْ وفاته لتثير النوع نفسه من الانتباه. لكن المصادفة تشاء أن يتوفى في هذا التاريخ بالذات، في ذكرى النكسة، وهو الذي ارتبط صوته في الذاكرة العربية بحرب 1967 وما أسفرت عنه.
كان أحمد سعيد، المذيع الشهير في "صوت العرب" من القاهرة في الخمسينيات والستينيات، هو الصوت الأعلى في تلك الفترة، حين كان المذياع وسيلة الناس شبه الوحيدة لمعرفة ما يجري. ولما كانت مصر قائدة الأمة العربية في تلك الحقبة، فقد أحب الناس سماع "صوت القاهرة" بالذات، بحثاً عن الخبر الصادق -والأهم، المعنويات التي كان يوفرها الخطاب الانتصاري للنظام الناصري، طليعة القومية العربية والقوة العسكرية العربية.
وعد أحمد سعيد العرب بتحرير فلسطين الوشيك. ويحفظ الناس الذين شهدوا تلك الفترة عنه عباراتيه المشهورتين، "تجوَّع يا سمك البحر"، و"سوف نلقيهم في البحر". وبطبيعة الحال، لم تتحقق وعود أحمد سعيد، واستقال من الإذاعة بعد أشهر قليلة من الهزيمة، في شهر أيلول (سبتمبر) 1967 -ربما بسبب الخيبة التي أصابته هو الآخر. ويعتقد معقِّبون كثيرون أن خطاب أحمد سعيد عن إلقاء اليهود في البحر، زود الصهاينة بوسيلة قوية للمسكنة واستجداء التعاطف؛ حيث يستشهدون بحديثه عن إلقائهم في البحر كدليل على عدوانية العرب.
تحدث أحمد سعيد أيام حرب 67 عن تقدم الجيوش العربية، وإسقاط طائرات العدو -في تناقض مع ما كانت تنقله وسائل الإعلام العالمية الأخرى. ومع أن البعض اعتبروه بوقاً دعائياً أسهم في خداع العرب وتعميق خيبتهم، فإنه قال قبل وفاته إنه كان يذيع البيانات التي تأتيه من مصادر رسمية تطلب منه إذاعتها كما هي بلا تغيير. وفي الحقيقة، كان لأحمد سعيد تاريخ في المقاومة، وتقول المصادر إنه "شارك في العمل الفدائي (ضد الاحتلال البريطاني) بقناة السويس في العام 1952"، و"تم إبعاده من الإذاعة... بعد اتهامه بأنه أحد الذين أثاروا الجماهير، لأن الرسائل الإذاعية التي يبثها تحرض الجماهير ضد الاحتلال والملك".
الآن، بعد 51 عاماً من الهزيمة، ما يزال اسم أحمد سعيد يرتبط بـ"إعلام النكسة" الذي يُنظر إليه كجزء من تكوين المناخ الذي أنجب الهزيمة المهينة في العام 1967. ولذلك، ربما تمكن قراءة رحيله عن الدنيا في يوم ذكرى النكسة نفسه على أنها إيذان بنهاية حقبة وبدء شيء جديد ومنتظر في مسارات النضال الفلسطيني.
هذا العام، أعلن الفلسطينيون في الوطن المحتل ما يشبه الانقلاب على الخطاب الفلسطيني التسليمي الذي وسم العقود الماضية، وعادوا إلى الثابت الوطني الأول: العودة إلى الأرض والتمسك بحقهم فيها كشيء لا بديل عنه وغير قابل للتفاوض. وتمكن المحتجون في غزة من إنهاض الصوت الفلسطيني وإسماعه للعالم وإعادة معاناتهم إلى دائرة الانتباه. وكانت الفكرة أن كل هذه العقود من القمع والقتل والتطهير العرقي والتجاهل العالمي لم تتمكن من هزيمة الروح الفلسطينية وإجبارها على التسليم.
الآن، أكثر من أي وقت مضى، تتزايد أعداد الذين يفهمون حقيقة الصراع الجاري في فلسطين المحتلة، وينحازون إلى الفلسطينيين. وعلى الرغم من الموقف الأميركي غير الإنساني الذي يحبط كل محاولة لإدانة الكيان، فإن هذا التغير المتصاعد في الفهم العالمي لطبيعة النضال الفلسطيني وأحقيته لا بد أن يسفر عن شيء. وقد وصلت التطورات حداً جعل الكثيرين من اليهود في فلسطين المحتلة والعالم يتبنون خطاباً منتقداً بشدة لسلوك كيان الاحتلال الذي لا يبرر وحشيته شيء.
في الأيام الأخيرة فقط، كان رفض المغنية الكولمبية، شاكيرا، إحياء حفل فني في الكيان، ثم إلغاء الأرجنتين مباراة مع منتخب الكيان في القدس، من المؤشرات على هذه التحولات في رؤية طبيعة الصراع في الوطن المحتل. وقبل ذلك قاطع فنانون وأكاديميون وشركات وجامعات أنشطة الكيان ومؤسساته، إدراكاً لطبيعته الفاشية والعنصرية. ويؤشر نجاح حركة المقاطعة العالمية واتساعها كل يوم على تحول نحو انسحاب سرد العدو لصالح تقدم السرد الفلسطيني الحقيقي والعادل.
بالتأكيد لم يكن أحمد سعيد هو السبب في نكسة حزيران. لكن رحيله يوم ذكرى النكسة ربما يُطالبُ بنسيان صوت الهزيمة وإحباطها، والتعلق بالحياة والأمل في الانتصار.

التعليق