لا ضرائب بدون تمثيل ولا تمثيل بدون ضرائب

تم نشره في الاثنين 11 حزيران / يونيو 2018. 12:07 صباحاً

شاركت عن بُعد -مُضطراً- في الاحتجاجات الأردنية السلمية الراقية ضد مشروع قانون ضريبة الدخل بصفحتي في الفيسبوك. ولعلّ أهم ما قلته (في نظري) بهذه المشاركة: "إذا أردنا أن تبقى الأمور على حالها فيجب أن نتغير". وقد تغيرت الأمور -قليلاً- بسقوط القانون والحكومة، وبقي الكثير ليتغير، وبخاصة في مسألة الشفافية في القرار والعطاء والمقاولة والصفقات...
يرى أحد الخبراء أن الضريبة المباشرة أشبه بعقد اجتماعي بين المواطنين والحكومة، فهم يدفعونها، والحكومة تقدم لهم الخدمات الاجتماعية والبنية التحتية مقابلاً لها. والموازنة يقررها ممثلوهم كل عام، فيتعزز العقد الاجتماعي سنوياً، وبعد كل انتخاب جديد. والمواطنون لا يطالبون بإلغاء الضرائب، فقد انتهى أو يجب أن ينتهي دور الدولة الريعية، وإنما يطالبون بضرائب عادلة يدفعها كل مكلف حسب دخله بدون امتيازات أو إعفاءات لأحد. إن استثناء الضرائب غير المباشرة من العقد الاجتماعي لا يعني قلة أدبية أو كمية في قيمتها، وإنما لأن المواطنين لا يشعرون -غالباً- بدفعها.
في ضوء هذا وذاك، فإنه كلما زاد اعتماد الحكومة على الضرائب ازدادت مساءلة المواطنين لها. ولعلّ هذا يفسر غياب المساءلة في الدول الريعية.
كما أن الضريبة امتياز سيادي للدولة كما يقول آخر؛ أي أن لكل دولة الحق أو الحرية في اتباع السياسة الضريبية التي تريد، يقابله واجب عليها بتبني السياسات الضريبية التي تخدم شعبها، ولكن موجة التخاصية أو الخصخصة التي انطلقت في العقدين الأخيرين من القرن الماضي وما رافقها من هيكلة بنيوية للمال والاقتصاد التي فرضها الدائنون أو ممثلوهم كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي.. على الدول المدينة، قضت على هذه السيادة، كما تجلّى في مشروع قانون ضريبة الدخل الذي أسقطته الاحتجاجات الوطنية.
كانت حجتهم أن التخاصية والهيكلة ستجذبان المستثمرين، وأن ذلك سيقضي على الديون، إلا أن المستثمرين المستدامين لم يأتوا، والديون تراكمت وتضاعفت.
تفيد إحدى الدراسات أن البلدان النامية المدينة صرفت أموالاً أكثر على جذب المستثمرين مما حصلت عليه من الضرائب من استثماراتهم (العاجلة) كما في أسواق الأسهم والسندات.
لقد أثبت التاريخ المعاصر أن الديمقراطية تكون في أحسن حالاتها عندما يدفع المواطنون الضرائب المترتبة عليهم بأريحية وعِزّة، وبحيث يمكنون حكوماتهم من تقديم أرقى الخدمات والبنية التحتية لهم، ومثل ما هو حاصل في الدول الإسكندنافية الأسعد في العالم، وأنه كلما اتسعت قاعدة الضريبة وقلت أو انعدمت المخارج أو ثغرات التهرب منها، فإن الضريبة تنخفض -نسبياً- على المكلفين بها، وإن بقيت تصاعدية على القادرين، فبهذا الاتساع يتم تمثيل المواطنين في القرار حسب قاعدة: لا تمثيل بدون ضرائب، التي أضيفت إلى القاعدة القديمة المعروفة: لا ضرائب بدون تمثيل؛ أي أنك إذا لم تنتج ولم تدفع ضرائب، لا يبقى لك حق في التمثيل، أو بخدمات أفضل، أو بمساءلة الحكومة.
يذكرنا خبراء في الاقتصاد والضريبة، بضياع كمية كبيرة من المال العام، بعدم قيام القطاع الرمادي (غير الرسمي)، بدفع الضرائب الواجبة عليه. كم يقدّر حجم هذا المال في الأردن؟ وكم يقدّر حجم المال الذي لا يدفعه المتنفذون مقابل استهلاك الكهرباء والماء والمسقفات؟
كما يصبح وضع الضريبة أسوأ في حالة فساد إدارتها، أو في حالة التهرب منها بثغرات قانونية، أو في حالة تهريب أصحاب الثروات أموالهم إلى الخارج.
ويتحدث باحثون عن وضع السلطات تعقيدات وفذلكات قانونية، لتتمكن من تطبيع المعارضة، أو النقاد السياسيين، أو وسائل الإعلام المستقلة، غير مدركين أن فذلكة القانون تزيد أيضاً عدد الكاذبين في كشوفهم الضريبية. ومع هذا رفع الأردنيون أصواتهم ضد هؤلاء وأسقطوهم، وجاؤوا برئيس نبيل علماً وخلقاً، مكانهم.
وأخيراً نقول: لا يستطيع أي بلد أن ينمو وأن يتطور ويزدهر بدون موارد/ مصادر دخل كافية، وإن لم تكن ذاتية فإنه يظل تابعاً وخاضعاً لمشيئة الدائنين، ومتسولاً المحسنين. يجب أن تنتهي وإلى الأبد الدولة الأبوية، أو الرعوية، أو الريعية التي تعرقل ذلك وتعطله.
وختاماً: لعل الفرق أو الدرس صار واضحاً بين المعارضة أو الاحتجاجات السلمية التي يمكن أن تسقط الحكومة، والمعارضة أو الاحتجاجات العنفية التي يمكن أن تُسقط الدولة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لماذا أدفع لكم ضريبة أساسا؟ (مواطن)

    الاثنين 11 حزيران / يونيو 2018.
    لماذا أدفع لكم ضريبة أساسا وأنتم لا تقدمون لي أية خدمات أساسية من تلك: تعليم جامعي مجاني + تأمين صحي شامل + وظيفة وراتب يقيني العوز والفقر؟؟!! ، البلد تعج باللصوص ولا أحد يحاسبهم، حتى شكاوى مكافحة الفساد تحفظ ويتم تهديد المشتكين بحجة إغتيال الشخصية في حال المشتكى عليه شخصية ثرية أو عامة، لن تقوم لكم قائمة أبدا بتلك العقلية لا أقتصاديا ولا إجتماعيا.