تغريدات العار

تم نشره في الخميس 14 حزيران / يونيو 2018. 12:00 صباحاً

إيان بورما*

نيويورك - تمثل الشخصية التي تقدمها الممثلة الكوميدية الأميركية روزيان بار، وهي شخصية خيالية تليفزيونية تحمل نفس الاسم، واحدة من مؤيدي ترامب من الطبقة العاملة. وقد يجد من يتذكرون مسلسل "الكل في العائلة" تشابها بينها وبين شخصية أرتشي بانكر، رب العائلة الفظ المنتمي إلى الطبقة العاملة الكادحة، والذي يعيش في حي كوينز بمدينة نيويورك.

 بلا مقدمات، ألغت شبكة (إيه. بي. سي) التلفزيونية مسلسل روزيان بار أواخر الشهر الماضي، لا لشيء قالته "شخصيتها" في المسلسل، وإنما بسبب تغريدة وصفت فيها فاليري جاريت، وهي مستشارة أميركية سابقة لباراك أوباما من أصل أفريقي، بأنها سليلة الإخوان المسلمين و"كوكب القردة".

كانت بعض ردود الفعل متوقعة، وإن لم تخل من غرابة مفاجئة. فقد غرد الرئيس دونالد ترمب معلقاً على الموضوع بأن (إيه. بي. سي) لم يسبق لها أن اعتذرت عن "التصريحات والتعليقات الفظيعة التي عُرضت وقيلت" عنه على الشبكة، وأنه كان حرياً بها فصل ممثلة كوميدية أخرى، وهي سامنثا بي، لاستخدامها لغة مسيئة بحق ابنته إيفانكا.

وسرعان ما رأى خصوم ترامب ما فعلته روزيان بار، وكذلك تغريدتها، على أنها نموذج لتعصب الطبقة العاملة الذي يشجعه الرئيس بصورة فعالة باعتباره قدوة لها في ذلك. واستحسن كثيرون إلغاء مسلسلها.

لكن ردود الفعل من الجانبين جانبت الصواب. فغالباً ما تعبر بار عن آراء غريبة لا يمكن ربطها بأي أيديولوجية سياسية، كما أن لها تاريخاً طويلاً من السلوك الغريب الذي لا يعكس نموذجاً لنهج بعينه. غير أن رأي ترامب بشأن سامنثا بي -والذي ردده أنصاره بغرابة شديدة- ومساواتها بينها وبين بروزيان بار في درجة السوء، إن لم تكن أسوأ، يتجاهل اختلافاً مهماً وجوهرياً.

فقد استخدمت سامنثا بي لغة مسيئة، وإن اعتذرت عنها لاحقاً، لانتقاد إيفانكا بسبب عدم اعتراضها على سياسات أبيها المتعلقة بالهجرة. وسواء كانت على حق أم لا، فقد كانت بي تهاجم ابنة ترامب بسبب سياستها، لا سلالتها. أما بار فكانت تسخر من امرأة لخلقتها -لكونها ملونة. وليس لتشبيه جاريت بالقردة علاقة بالاختلافات السياسية، وإما له صلة بالعنصرية.

 لا ينبغي أن تتمع أي شخصية عامة بالحصانة، سواء بالقانون أو العرف الاجتماعي، من أي هجوم على أفكارها. لكن العداء القائم على الأصل العرقي ليس نهجاً غير متحضر فحسب، وإنما هو أمر خطير. وهناك جدال دائر حول ما إذا كان ينبغي أن يُصنف الدين كمعتقد أيديولوجي، أو شيء أقرب إلى العرقية، حيث يعتبر كثيرون الدين أساساً يرسخ هويتهم تماماً كلون بشرتهم. ويبقى السؤال هنا متعلقاً بمدى وجوب الدفاع عن بار باسم حرية التعبير بعد كل ذلك.

لا شك أن حرية التعبير في الولايات المتحدة تحظى بحماية أكثر رسوخا من أي مكان آخر في العالم. لكن إلغاء مسلسل بار لم يكن بالطبع قراراً قانونياً، لأن حدود حرية التعبير لا يحكمها القانون فقط، إذ تحرص شركات صناعة الترفيه أو وسائل الإعلام على الاهتمام بمشاعر الرأي العام، ومن ثم يحدث في الغالب أن يُفصل الأشخاص لأسباب تجارية إذا اعتُبر ما قالوه شيئا مسيئا لفئة كبيرة من الناس.

تخضع الحدود غير الرسمية لحرية التعبير لمعايير الاحترام الاجتماعي، وهي معايير متغيرة، ليس فقط مع الوقت، ولكن وفقا لهوية المتحدث والزمان والمكان الذي يتحدث فيه. فهناك أشياء لا يؤاخذ عليها الممثل الكوميدي عادة، بينما لا يمكن قبولها من سياسي أو رئيس جامعة أو قاض. وحتى مجيء ترامب إلى الحكم، كان رؤساء الولايات المتحدة يخضعون لمعايير أشد صرامة من الأشخاص العاديين فيما يتعلق بالسلوك والحديث.

وبما أن المعايير في أي مجتمع قابلة دائماً لإعادة التفاوض بشأنها، فإننا بحاجة لممثلي الكوميديا والروائيين والفنانين لاختبار القيود، حيث تمثل أعمالهم جزءاً من التفاوض المستمر. ولو كان فصل المحطة التلفزيونية لروزيان بار يرجع لشيء قالته شخصيتها الكوميدية، لكان لديها أسباب للاعتراض، فالشخصيات الخيالية، على أي حال، ينبغي السماح لها بأن تكون سليطة اللسان. وقد لا يستحسن الكثيرون شخصية "روزيان بار"، لكن صراحتها الفظة، حتى ولو كانت عنصرية، جزء من عمل بار الممثلة، كما كان الأمر بالنسبة للممثل كارول أوكونر في دور أرتشي بانكر.

ولو أطلقت بار تعليقاتها في محيط خاص، لما كان هذا أيضاً سبباً كافياً لإلغاء مسلسلها. فالقضية هنا تتعلق بالمواضع التي تناسبها التغريدات، إذ أنها تجمع بين كونها أمرا شخصيا وأداء علنيا، لأنها أفكار خاصة تُعلن للجميع، مما يمثل نوعاً من عروض الواقع، أي أنها تناسب تماماً أي ناشر نرجسي للدعاية مثل ترامب.

من الطبيعي أننا لا نرى أو نسمع أفكار الآخرين غير المنقحة إلا في الحانات تقريباً. وقد درجت العادة على إخضاع الخطابات التي ترسل لمحرري الصحف للفحص الدقيق، للحيلولة دون تسليط الضوء على أصحاب الضغائن والأفكار الشاذة أو نقل أفكارهم للعامة. وما كان خاصاً كان يظل خاصاً. لكن هذا الواقع تغير مع ظهور الإنترنت، الذي يتيح لأي شخص الفرصة ليبث أفكاره، مهما كانت بغيضة أو سخيفة.

ربما كان هناك رابط بين ظهور الإنترنت وفقدان الثقة المتفشي لدى العامة في النخبة والخبراء، وإن بقيت ماهية هذا الرابط غير واضحة بصورة دقيقة. وقد يكون من السطحية أن نرجع سبب التحرر من وهم الخبراء إلى التكنولوجيا الجديدة. لكن من الواضح أن التواصل عبر التغريدات وأشكال التعليق المعتمدة على الشبكة عززت فكرة أن الخبرة كلمة فضفاضة ومبالغ في تقديرها، وهذا ما نراه الآن في المضمار السياسي.

حتى وقت قريب، كان الساسة يتخذون أهم القرارات خلف الأبواب المغلقة، وهم محاطون بفرق من المستشارين الخبراء. وكان المواطنون يسمعون بهذه القرارات، إن حالفهم الحظ، من خلال تقارير الصحف، أو المؤتمرات الصحفية، أو النشرات والبرامج التليفزيونية. لكن هذا النظام ليس مثالياً، فكم من سياسي أنقذه خفض مستوى السرية من الوقوع في أخطاء بشعة.

لكن بعض أهم القرارات التي تتخذ الآن في أعتى دولة ديمقراطية في العالم تقوم على النزوات الجاهلة والأحكام المسبقة المتحيزة غير المنقحة لرئيس مولع بالتغريدات، لا يقل فظاظة عن شخصية "روزيان بار" الخيالية، ولا يقل غرابة عن روزيان بار الممثلة. ويكمن الاختلاف الرئيس بينهما في أن تغريداتها صادرة عن ممثلة كوميدية عاطلة عن العمل حالياً، في حين أن تغريداته يمكن أن تغير مصير العالم.

*محرر "نيويورك ريفيو أوف بوكس"، ومؤلف العديد من الكتب، منها "جريمة قتل في أمستردام: موت فان غوخ وحدود التسامح".

*خاص بـ‘‘الغد‘‘، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق