شعبوية بسِماتٍ اشتراكية

تم نشره في الأربعاء 20 حزيران / يونيو 2018. 12:00 صباحاً
  • متظاهرون بولنديون يرفعون صوراً لزعيم حزب القانون والعدالة، ياروسلاف أنا فيرينسوفيتش، وآخرين - (أرشيفية)

ميتشل أ. أورينشتاين*

فيلادلفيا- غطى الباحثون والصحفيون بلا كلل أو ملل صعود القومية الشعبوية في أوروبا، وبشكل خاص الحكومات المتشددة في المجر وبولندا. وفي غضون بضع ساعات والكثير من البحث على محرك غوغل، يستطيع المرء أن يتعلم الكثير عن الكيفية التي عملت بها الحكومة في كل من البلدين على تجنيد وسائل الإعلام العامة، وقمع محطات التلفزيون والصحف الخاصة، وإضعاف المحاكم الدستورية، والهجوم على المهاجرين، وتشجيع خطاب الكراهية ضد اليهود والمسلمين وغير ذلك من الأقليات، وإطلاق العنان للمتصيدين عبر الإنترنت. لكن المرء يظل عاجزاً عن الإجابة عن سؤال جوهري: لماذا تحظى مثل هذه الحكومات بهذا القدر من الشعبية؟

تكمن الإجابة في حقيقة تجاهلها أغلب المحللين: إن هذه الحكومات ليست قومية فحسب؛ بل إنها اشتراكية أيضاً.

ولنتأمل حالة بولندا، حيث فاز حزب القانون والعدالة الحاكم بنسبة 38 % من الأصوات في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في تشرين الأول (أكتوبر) 2015. وفي نيسان (إبريل) 2018، وعلى الرغم من الاستبداد المتصاعد والشكاوى الرسمية من الاتحاد الأوروبي، أظهرت استطلاعات الرأي مستوى الدعم لحزب القانون والعدالة عند 40 %.

لا يدين حزب القانون والعدالة بشعبيته المتزايدة لموقفه المناهض للمهاجرين فحسب. وقد فاز اليمين القومي الكاثوليكي بنحو 30 % من الأصوات في الانتخابات البولندية منذ العام 1989 على برنامج ثابت من معاداة السامية، ومعاداة الاتحاد الأوروبي، ومعاداة المهاجرين، ومعاداة الروس. والجديد في حكومة حزب القانون والعدالة الآن هو وجهها الأكثر اعتدالاً.

الآن، يتولى قيادة حزب القانون والعدالة، ولو سطحياً على الأقل، ساسة أكثر شباباً، بما في ذلك الرئيس أندريه دودا ورئيس الوزراء ماتيوس مورافيتسكي، الذي جاء خلفاً لبياتا سيدلو (وهي أيضا وجه جديد نسبياً في السياسة البولندية). وكان كل منهما يركز على مطالبات عامة أوسع نطاقاً. وقد نجحت هذه الاستراتيجية. ففي العام 2015، فاز حزب القانون والعدالة بقاعدته المعتادة، بالإضافة إلى 5 % إلى 10 % إضافية من أصوات الناخبين الأكثر اعتدالاً.

بعد اجتذاب هؤلاء المعتدلين، عمل حزب القانون والعدالة على الإبقاء عليهم، من خلال عرض ما رفضته حكومات سابقة. وعلى الرغم من أن المنبر المدني، الذي حكم حتى العام 2015، خرج من عباءة حركة التضامن في ثمانينيات القرن العشرين، فإنه خان قاعدته من الطبقة العاملة بملاحقة سياسات اقتصادية نيوليبرالية راديكالية أدت إلى اتساع فجوة التفاوت الاقتصادي. كما أن الحزب الشيوعي السابق، الذي اعتنق الديمقراطية الاجتماعية في التسعينيات، خان جذوره على النحو نفسه.

على النقيض من هذا، أنشأ حزب القانون والعدالة الإضافة الأكثر أهمية لشبكة الأمان الاجتماعي البولندية منذ العام 1989: برنامج "الأسرة 500+". ويجسد هذا البرنامج الذي أطلق في العام 2016 الاتجاهات القومية، والقيم الأسرية التقليدية، والوعي الاجتماعي الذي يسعى حزب القانون والعدالة إلى الترويج له. ويدفع البرنامج 500 زلوتي (144 دولاراً) للأسر شهرياً لتوفير الرعاية للطفل الثاني أو التالي. وتتقدم الأسر بطلباتها كل أيلول (سبتمبر)، عندما يعود الأطفال إلى المدرسة. وباستثناء الأسر الفقيرة، لا تحصل الأسر التي لديها طفل واحد على أي شيء، في حين تتأهل الأسر التي تربي طفلين للميزة الشهرية. وتحصل الأسر التي لديها ثلاثة أطفال على 1000 زلوتي، فضلاً عن 500 زلوتي لكل طفل إضافي.

وقد حظي هذا البرنامج بشعبية هائلة. واستفادت منه نحو 2.4 مليون أسرة في العامين الأولين. ونجحت هذه الميزة، التي تعادل 40 % من الحد الأدنى لأجور، في القضاء على الفقر المدقع تقريباً بين الأطفال في بولندا، حيث قلصته بنسبة تقدر بنحو 70 % إلى 80 %.

لكن الساسة وصناع السياسات الليبراليين المؤيدين لأوروبا غير مقتنعين. وهم يشتكون من أن مثل هذه الميزة الأسرية السخية من شأنها أن تضعف الحافز إلى العمل وتفضي إلى تضخم الميزانية الحكومية. لكن الأدلة الأولية تشير إلى أن هذا البرنامج أدى فعلياً إلى زيادة النشاط الاقتصادي. كما نجح في عكس انحدار الخصوبة في فترة ما بعد الشيوعية، وزيادة الأجور (وخاصة أجور النساء)، وتمكين الأسر من شراء المواد المدرسية، والتمكن من السياحة في العطلات، وشراء المزيد من الملابس للأطفال، والحد من الاعتماد على الائتمان المرتفع التكلفة لتلبية الاحتياجات المنزلية الأساسية. وبفضل النمو الاقتصادي السريع، انخفض العجز الحكومي باطراد، ولم يرتفع.

لا عجب إذن في أن يجد الليبراليون صعوبة في اكتساب ثقة الناخبين. ويرى العديد من البولنديين حكومة تقوم أخيراً بشيء لصالح الناس العاديين، ولا يفعل الليبراليون سوى الشكوى، ومن عجيب المفارقات أن يكون هذا معادياً للديمقراطية.

لقد كان برنامج الأسرة 500+ ناجحاً. فمنذ العام 2016، ارتفع معدل الخصوبة في بولندا -الذي كان قد انخفض بعد العام 1989 إلى واحد من بين أدنى المعدلات في أوروبا- من 1.29 إلى 1.42 مولوداً لكل أنثى. وفي عامه الأول، قدم البرنامج حافزاً كبيراً للاقتصاد، مع اتجاه الأسر الفقيرة إلى إنفاق كل الفوائد تقريباً على سلع استهلاكية. حتى أن إيرادات إحدى سلاسل الأحذية ارتفعت بنحو 44 %. وارتفعت مبيعات العطل الأسرية بنحو 14 %. وبدلاً من الاقتراض لتغطية تكاليف "الزي المدرسي" المكلف الذي يُلزَم الطلاب بارتدائه، استخدم البولنديون فوائد البرنامج. وفي حين انخفضت معدلات توظيف النساء مع ترك النساء لوظائف الحد الأدنى من الأجور، سجلت الرواتب، وخاصة رواتب موظفي المتاجر، ارتفاعاً حاداً.

نظراً للنجاح الهائل الذي حققه البرنامج، بدأت دول أخرى تحذو حذو بولندا. فقدمت لتوانيا نسخة أقل سخاء من برنامج الأسرة 500+ في العام 2018.

ينبغي لأولئك الذين يهتمون بالديمقراطية في بولندا والمجر وأماكن أخرى في أوروبا وخارجها أن يقروا بأن العديد من الناخبين مقتنعون برؤية اليمين القومي للدولة الاجتماعية التي تعزز الأولويات الوطنية، وترعى الفقراء، وتدعم الأسر. ولا يستطيع الديمقراطيون الليبراليون أن ينافسوا اليمين القومي في كراهية الأجانب. لكنهم يستطيعون، بل يجب عليهم، أن ينفضوا عن أنفسهم غبار الجمود الإيديولوجي وأن يتعلموا شيئاً أو اثنين من خصومهم حول السياسات التي تحظى بالقبول بين الناس.

*هو أستاذ ورئيس قسم الدراسات الروسية والشرقية الأوروبية في جامعة بنسلفانيا. ألف، بالتشارك مع هيلاري أبيل، كتاب "من النصر إلى الأزمة: الإصلاحات الاقتصادية النيوليبرالية في بلدان ما بعد الشيوعية".

*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق