محمد أبو رمان

لماذا التخوّف؟!

تم نشره في الأربعاء 20 حزيران / يونيو 2018. 12:09 صباحاً

بالرغم من أنّ مصطلح "العقد الاجتماعي الجديد" ورد في كتاب التكليف السامي لحكومة د. عمر الرزاز، إلاّ أنّ "النخب الرسمية" ما تزال متخوّفة منه، وتشعر بالريبة من استخدامه، وكأنّه مؤامرة على هوية الدولة، لذلك تسعى إلى استبعاده من الخطاب الرسمي والسياسي مرّة أخرى!

أحسب أنّ هذه المخاوف غير مبررة البتّة، بل على النقيض من ذلك، فإنّ فكرة "العقد الاجتماعي الجديد" مهمة جداً اليوم لتجديد خطاب مؤسسات الدولة والمفاهيم الحاكمة لها، فإذا كنّا بحاجة -فعلاً- لثورة إدارية بيضاء من جهة، وتجسير العلاقة المنهارة بين المؤسسات السياسية والمواطنين من جهة ثانية، وإعادة ترسيم الإطار الناظم للعلاقة بين الدولة والمواطن، بصورة مغايرة لما كان سائداً خلال العقود الأخيرة، من جهةٍ ثالثة، فكل ذلك يحتاج إلى "نظرية" جديدة للدولة، تعطيها القدرة على التكيف والتطوّر مع المتغيرات الاقتصادية-الاجتماعية والسياسية والثقافية المتسارعة.

رافضو مفهوم "العقد الاجتماعي" أكثر من طرف، ولديهم أكثر من حجّة، أكثرها صلابة أنّ هنالك دستورا هو بمثابة العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، وهذا صحيح، لكن الدستور، الذي يحدد الواجبات والحقوق القانونية والدستورية، يحتاج إلى بيان توضيحي يملأ الفراغ الموجود بين السطور، ويترجم عملياً مبادئه من خلال لغة واضحة وعملية مرتبطة بالسياسات، وهو ما يمثّله العقد الاجتماعي أو أي مصطلح آخر يمكن أن يحلّ محله.

ما هي هوية الدولة؟! هل هي دولة تقوم على سياسات الولاء والاسترضاء والتوظيف أم دولة مواطنة وحكم القانون والدستورية والكفاءة؟ هذا سؤال يحدّده إطار آخر مكمّل للدستور، وهو العقد الاجتماعي. خلال العقود الماضية حدّدت العلاقة الرعوية (التي تقوم على أن تكون الدولة هي المشغّل الأساسي، المنفق الأكبر) سمات عديدة للمعادلات السياسية القائمة، وأسهمت تطورات تاريخية في ترسيم أنماط من العلاقة بين الدولة والمجتمع، مثّلت جميعاً الإطار العام الذي يفسّر السلوك السياسي للدولة والنخب والمواطنين.

اليوم هذه "المعادلات" لم تعد قادرة على الصمود والاستمرار، اقتصادياً انتهت العلاقة الرعوية مع التحولات الجوهرية في سياسات الموازنة العامة، ومع نمو طبقة وسطى داخل القطاعين العام والخاص لها مطالب سياسية واجتماعية واقتصادية مغايرة للواقع الموجود، ومع رفع الدولة رسمياً شعار "الاعتماد على الذات"، والتشغيل لا التوظيف، والإصلاح الإداري...الخ، مثل هذه العناوين والشعارات تتناقض تماماً مع المعادلة التي شكّلت إطار العقود الماضية، وتدفع باتجاه "إطار عام" جديد.

فوق هذا وذاك، فإنّ المعادلات القديمة والخطاب الرسمي والنخب السياسية التقليدية أصبحت جميعاً خارج إطار التحولات والتطورات والسياسات الجديدة، ما يعني أنّ التجديد والتغيير أصبحا ضرورة، وهو ما يدفع إلى تصوّر (- نظرية/ عقد؛ أيّاً كانت التسمية) جديد مستقبلي، وإعادة تعريف للعلاقة بين المواطن والدولة، ودور الدولة السياسي والاقتصادي، والمفاهيم والمبادئ التي من المفترض أن تشكّل الدليل العملي للأردن مستقبلاً وللأجيال المقبلة.

هل هنالك تخوّفات مشروعة؟ طبعاً. وهل هنالك محدّدات للتصوّر الجديد؟ بالتأكيد. هي أمور يمكن استبطانها ومراعاتها في صياغة نظرية "الأردن الجديد"، لكن الخشية، مجرّد الخشية، من طرح الموضوع، والتفكير في رؤية للمستقبل متكاملة هو تخوّف مرضي، حالة من الوسواس المؤامراتي، التي تدفع بالدولة لتكون متأخرة كثيراً في إدراك المتغيرات وشروطها عن المجتمع، كما حدث في الاحتجاجات الأخيرة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لماذا التخوف؟؟؟ (يوسف صافي)

    الأربعاء 20 حزيران / يونيو 2018.
    شرحت وافضت د.محمد وإن جاز لنا التوضيح بعيدا عن المصطلحات الفضفاضه التي تخلق الخوف والجدل في ظل صراع المعايير التي اصابت المكون المجتمعي بكل شرائحه حتى بات كل يعرّف ويستشرف ويقيم وفق نوتة كل يغني على ليلاه والأنكى من يغني على ليلى غيره (مقلدا واو جاهلا واوتابعا) ؟؟؟ وهذا يتطلب قاعده مستقرّه للبناء عليها مابين المواطن والحكومه وترميم روافع المنظومه المعرفيه المجتمعيه من قيم وثقافه وآعراف وثابتها العقيده من جراء ما اصابها من تغول الوافد دون استئذان وفلتره وتمحيص والمملي من قوانين ومنظمات (باطنها السم والدسم) وعدم توائم هذه وتلك مع روافع المنظومه المعرفيه المجتمعيه بكل مخرجاتها من سياسة وإقتصاد وإجتماع ؟؟؟وهذا يتطلب فرز الغث من السمين ؟؟؟ "بعيدا عمّا يجب ان يكون في روما يجب ان يكون في عمّان " وسياسة وإقتصاد الإعتماد على الذات تحتاج الى استقلالية الذات والقرار تعي من خلاله الحكومه الممارسه كما المواطن من خلال تشاركيه بينهم ولوجا" لخدمة الوطن والمواطن "ناظمه الدستور والقوانين " ولاشيئ غيره " ان الله لايغير مابقوم حتى يغيروا ما بانفسهم"
  • »المفاهيم والدولة الريعية (بسمة الهندي)

    الأربعاء 20 حزيران / يونيو 2018.
    أستاذ محمد، مفيد شرحك لمفهوم العقد الاجتماعي لأن أحد مشاكل الحوار في بلدنا انه لا ينطلق احيانا من اتفاق على معنى وتعريف ما نناقشه، مثل العقد الاجتماعي. أظن أن أغلب الأردنيين ليس لديهم فكرة ما هو "العقد الاجتماعي".
    بالنسبة للدولة الريعية فحتى هذا الوصف غير واضح بالنسبة للحالة الأردنية. فنحن ليس لدينا موارد طبيعية مثل النفط تملكها الدولة وتقرر السلطة كيفية توزيع عوائدها. علينا أن نسأل ما هو موردنا الذي يوفر لنا امكانية الدولة الريعية (لا يمكن اعتبار تحويلات المغتربين أحد تلك الموارد كما اقترح الرزاز في ورقة له - فهذ التحويلات لا تذهب بشكل مباشر الى خزينة الدولة وانما عبر الضرائب والرسوم).
    بعض الدول الريعية تملك قيمة جيواستراتيجية فتوفر مثلا قواعد عسكرية لقوى اجنبية (تؤجرها) وتقوم السلطة بتوزيع عوائد ذلك التأجير على مواطنيها.
    ثم في الغالب فإن الدولة الريعية تفرض القليل من الضرائب على مواطنيها لأن لديها عوائد كافية من "مصادرها الريعية" تدير بها التزامات الدولة بما في ذلك التزاماتها تجاه مواطنيها. في حالتنا الاردنية الضرائب عالية وكثيرة وهي المصدر الأساسي للانفاق على التزامات الدولة.
    ما يقلق أن يقتصر الحوار حول الانتقال من الدولة الريعية ألى الاقتصاد المنتج على فكرة واحدة وهي انسحاب الدولة من البرامج الاجتماعية والقضاء على فرصة أن يصبح الاردن "دولة رفاه".