في تقييم الأداء بالمنحنى الاعتدالي

تم نشره في الأربعاء 20 حزيران / يونيو 2018. 12:00 صباحاً
  • الخبير التربوي الدكتور ذوقان عبيدات -(أرشيفية- تصوير: ساهر قدارة)

د. ذوقان عبيدات

ليس من جدل حول أهمية عمليات تقييم الاداء. فهي من العمليات الإدارية، والفنية المهنية. فالفنيون يحتاجون معلومات حول العاملين، والاداريون يحتاجون ولكن معلومات أخرى. فالإداري يهتم بأداء العامل من حيث الدوام والالتزام وإنهاء معاملات العملاء في وقت مناسب. بينما الفني يحتاج إلى معلومات حول إنجاز العامل وقدرته على تطوير العمل.
(1) بين الأداء والإنجاز
الأداء هو ما يقوم به العامل، فأداء الطالب هو عدد الساعات لتي يدرسها ويتعلمها، وقيامه بواجباته، وأداء المعلم هو ما يفعله يومياً، سواء في إعداد الدرس وتخطيطه، أو في شرح الدرس، وأداؤه داخل الصف وخارجه، وإعداده للامتحانات وغير ذلك من المهام التي يكلف بها. وكذلك أداء الموظف هو ما يفعله يومياً منذ بدء الدوام وحتى نهايته.
أما الإنجاز، فهو مختلف تماما. لأنه ما ينتج عن الأداء من نتائج وتغيرات وتحسينات. فإنجاز الطالب هو ما أنتجه من تقدم معرفي واكتسبه من مهارات واتجاهات. وإنجاز المعلم هو ما نتج عن أدائه مثل تحسين بيئة الصف، وتعزيز مهارات الطلاب. فكل تقدم يحققه الطالب مما له صلة بالمدرسة هو إنجاز للمدرسة ولمعلميها. وكذلك إنجاز الموظف هو ما يدخله من تحسينات على بيئة. من إجراءات ودقة وإنجاز المدير هو كل التغيرات الإيجابية التي تحدث في مؤسسته. فالأداء إذن يختلف عن الإنجاز! فقد يكون الأداء عظيماً والإيجاز قليلا، وقد يكون الأداء قليلا والإيجاز كبيرا، والمشكلة حين يكون الأداء معادلا للإيجاز، حيث لا قيمة مضافة . فالأداء الجيد يعتمد على المهارة لا المدة ويعتمد على معايير مهنية. فقد يدرس بعض الطلاب ساعتين (اداء) ويكون نجاحهم باهرا (وقد يبدي معلم ما جهدا كبيرا، يعد درسه، ووسائله، ومع ذلك يكون إنجازه محدودا، فالأداء عامل مؤثر في الإنجاز، لكن تأثيره ليس علة ومعلولا أو سببا ونتيجة إلا إذا ارتبط بمعيار حاجة المستهلك.
فالإنجاز يفوق الأداء، إذا ارتبط أداء المعلم بحاجات الطالب. والإنجاز يوازي الأداء، إذا وازن المعلم بين حاجاته وحاجات الطالب. والإنجاز يقل عن الأداء، إذا ارتبط الأداء بحاجات المعلم وحدها.
فالأداء جهد والإنجاز ناتج، ومن شروط الأداء الجيد: - المهارة. - التوقيت المناسب. -الإخلاص.
فالمهارة ترتبط بـِ "كيف" والتوقيت يرتبط بـِ "متى" والإخلاص يرتبط بالحماسة والرغبة.
(2) ما يقاس وما لا يقاس
إن من السهولة قياس الأداء، لأنه غالبا ما يرتبط بجهد ظاهر جهد جسدي أو فكري، فالمعلم يؤدي عمله وفق معايير قابلة للقياس كلها وهي: - الدوام والانتظام . - إعداد الخطط والمشروعات. - العناية بطلابه . - إدارة الصف. - العلاقات مع أطراف العمل. - البحوث والتجارب.
ويضاف لها معايير مهمة أخرى، مثل: -    المظهر الشخصي، ملابسه، نظافة، أناقة. - المؤهلات العلمية. - الخبرات.
أما الإنجاز، فلا يسهل قياسه كله. فالإنجاز نوعان: ظاهر يمكن قياسه. وخفي يصعب قياسه. وليس ما يقاس أكثر أهمية مما لا يقاس:
تستطيع قياس تحصيل الطلاب كإنجاز للمعلم. وتستطيع قياس مدى نمو المعلم كإنجاز له.
ولكن هناك إنجازات لا يمكن قياسها بسهولة أو حتى لا تقاس إطلاقا. فليس كل ما يقاس مهماً. وليس كل ما يقاس يحسب حسابه. وليس كل ما يحسب حسابه يمكن حسابه!! إن التغيرات الداخلية في المواقع والحاجات من غير الممكن قياسها. فخريجو مدرسة ما يمتلكون ما يختلفون فيه كلياً حتى لو تساووا في التحصيل مع طلاب مدرسة أخرى! فنظرة الطالب إلى المشكلة أو إلى الموقف تختلف بين طلاب مدرسة وأخرى.
(3) ماذا يقيس المنحنى الاعتدالي؟
يرتبط المنحنى الاعتدالي بالعينات العشوائية أكثر من ارتباط بالعينات المختارة. فلو اخترنا مائة طبيب من خريجي الجامعة الاردنية لن نجد بينهم ماهراَ جداً ومتوسطا وقليل المهارة، لأنهم خضعوا لإعداد جيد. لكن تستطيع أن تجد بينهم شديد الحماسة، أو من هو طويل أو قصير ولذلك لا تفاوت بين أشخاص مختارين. لكن لو وقفنا في شارع عام، وأخذنا أول مائة من المارة، لوجدنا تفاوتاً في مهاراتهم وربما في إخلاصهم. أو في مدى إحساسهم بالسعادة. أو في حجم أسرهم. وهذا لا يعني أن المنحنى صالح تماما في أي عينة عشوائية.
وفي المجتمع الأردني، لا يتوزع الناس حسب رغبتهم في الحرية أو إخلاصهم للوطن أو احترامهم لحقوق الإنسان، وقد لا نجد أي تفاوت واضح بينهم في مثل هذه الأمور. ولكننا قد نجد تفاوتاً في قضايا جدلية مثل، الموقف من البرلمان، العشائرية، حقوق المرأة.......الخ.
وهذا يعني، إن توزع السمات الفطرية كالطول والذكاء ولون البشرة.... الخ قد يكون اعتدالياً وليس هذا بالضرورة, أما السمات المكتسبة المتعلمة فهناك حذر كبير في حشرها ضمن المنحنى الاعتدالي.
قد يتعلم كل طالب القراءة والكتابة، لكن قد نجد تفاوتا بينهم في درجة إتقانهم للمهارة.
ومرة أخرى لو وزعنا الأردنيين حسب دخلهم هل سنجد المنحنى الاعتدالي أم منحنى ملتوياً يزداد فيه عدد قليلي الدخل كثيراً، ويقل فيه متوسطو الدخل؟
(4) المكان المناسب
ابحث عن المكان المناسب للرجل المناسب وليس العكس. فهل يمكن اتخاذ قرار بموجب معطيات المنحنى الاعتدالي؟
أعترف، في المجتمع الواسع، وفي عينة صدفة، يمكن أن نجد توزيعاً اعتدالياً أو قد يقترب منه. لكن هذا التوزيع لا يكون إطلاقا في كل مؤسسة أو شركة. فالشركة التي تخضع موظفيها لمقابلات وفحوصات ورقابة وتدريبات، لن تكتشف أن 2 % من موظفيها ممتازين، وآخرين ضعاف!
هذا من الناحية العلمية، ماذا عن الناحية الأخلاقية؟ لدينا 2 % من الموظفين سنويا يجب أن يذهبوا إلى بيوتهم! هل فكر أحد كيف يعيش أبناؤهم؟
قالوا: الرجل المناسب في المكان المناسب. وهذه مقولة غير أخلاقية. نحن لا نضّع الرجل حسب المكان! بل نضع المكان حسب الرجل. ولذلك نقول: ابحث عن مكان مناسب لهذا الرجل غير منزله، ولا تبحث عن رجل لهذا المكان.

التعليق