كيف تموت الديمقراطية ؟: دروس من صعود المستبدين بالدول الضعيفة

تم نشره في الخميس 21 حزيران / يونيو 2018. 12:00 صباحاً
  • الزعيمان الأميركي دونالد ترامب والصيني شي بينغ - (أرشيفية)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

تقرير خاص – (الإيكونوميست) 16/6/2018

هل الديمقراطية في ورطة؟ بعد مرور 30 عاماً على إعلان فرانسيس فوكوياما نهاية التاريخ وانتصار الديمقراطية الليبرالية، لم يعد طرح هذا السؤال غريباً في واقع الأمر. فالولايات المتحدة، التي كانت منذ فترة طويلة منارة للديمقراطية، يحكمها رئيس يدوس على أعرافها وقواعدها. ويقوم شي جين بينغ بتوجيه دفة الصين السلطوية نحو نظام حكم الرجل الواحد. وفي كل أنحاء العالم الناشئ، يتقدم الرجال الأقوياء والمستبدون. فمن المرجح أن يفوز الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بعد قيامه بسجن أو تطهير أكثر من 200.000 تركي لأسباب سياسية، في الانتخابات المقبلة التي تبدأ في 24 حزيران (يونيو)، وأن يتمتع بعدها بسلطات شبيهة بالسلطان. ويقوم نظام نيكاراغوا بقلع أظافر أقدام المتظاهرين. ويوشك فلاديمير بوتين على جني ثمار انقلاب دعائي ضخم من مسابقة كأس العالم التي تقام في بلده.

تظهر مؤشرات صحة الديمقراطية تدهوراً مزعجاً منذ الأزمة المالية 2007-2008. ويظهر مؤشر نشرته حديثاً "وحدة استخبارات الإيكونوميست"، المؤسسة الشقيقة لهذه المجلة، تراجع الديمقراطية في 89 دولة في العام 2017، مقارنة بـ27 دولة تحسنت فيها فحسب. وتجد بعض الدراسات الاستقصائية أن أقل من ثلث الشباب الأميركيين يعتقدون أن من "الضروري" العيش في نظام ديمقراطي. ولا عجب في أن يشهد هذا العام طفرة في الكتب التي تحمل عناوين مخيفة مثل "كيف تنتهي الديمقراطية" و"الشعب في مقابل الديمقراطية".

ينبغي وضع هذا التشاؤم في السياق. إنه تغيُّر حديث في وجهة سير الديمقراطية بعد تقدم ملحوظ حققته في النصف الثاني من القرن العشرين. ففي العام 1941، كان هناك نحو دزينة من الديمقراطيات فقط؛ وبحلول العام 2000، لم تكن هناك سوى ثمانية بلدان فقط لم تقم بإجراء انتخابات على الإطلاق. وأظهر استطلاع واسع النطاق شمل 38 بلداً أن أربعة من أصل خمسة أشخاص يفضلون -نمطياً- العيش في نظام ديمقراطي. وليست كل التهديدات التي تتوجه إلى التعددية من نفس النوع. ففي الديمقراطيات الناضجة مثل أميركا، تقوم الضوابط والموازين القوية بتقيد حتى أكثر الرؤساء تعطشاً للسلطة. وفي الديمقراطيات غير الناضجة، تكون مثل هذه المؤسسات الرقابية أضعف، ولذلك يستطيع رجل قوي أن يقوضها بسرعة، وغالباً من دون ضجة كبيرة. وهذا هو السبب في أن التدهور الأكثر إثارة للقلق، والذي يحدث في كل من عدد البلدان وسرعة التراجع، إنما يوجد في الديمقراطيات الفتية والهشة في العالم الناشئ. ومن فنزويلا إلى هنغاريا، تكشف هذه الانعكاسات في الوجهة أوجه تشابه ملفتة ومدهشة. ولعل في هذا ما يقترح أسباباً للتفاؤل -بالإضافة إلى دروس يمكن للغرب استخلاصها.

كيف يتم تقويض الديمقراطية

إذا أردنا التلخيص، فإنه عادة ما يتم تفكيك الديمقراطيات الجديدة على أربع مراحل. أولاً، تنشأ مظالم وشكاوى شعبية أصيلة وحقيقية من الوضع الراهن، وفي الغالب، من النخب الليبرالية التي تكون في موضع المسؤولية. ومن ذلك ما حصل للمجريين الذين ضربتهم الأزمة المالية، ثم روعتهم جحافل اللاجئين السوريين الذين يمرون بهم في طريقهم إلى ألمانيا. وشعرت الأغلبية المسلمة الملتزمة في تركيا بأن النخبة العلمانية تقوم بتهميشها. ثانياً، يقوم الرجال الأقوياء المحتملون بتحديد أعداء ليلقي الناخبون الغاضبون باللوم عليهم. وفي هذا الإطار، يتحدث بوتين عن مؤامرة غربية لإذلال روسيا. ويلقي الرئيس نيكولاس مادورو باللوم على أميركا في التسبب بمشاكل فنزويلا. ويلقي رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، باللوم على جورج سوروس في مشاكل بلده أيضا. ثالثا، بعد أن يستولوا على السلطة باستغلال الخوف أو الاستياء، يقوم الرجال الأقوياء بإضعاف إمكانية وجود صحافة حرة، ونظام قضائي محايد ومؤسسات أخرى تشكل الجزء "الليبرالي" من الديمقراطية الليبرالية -وكل ذلك باسم تثبيط أعداء الشعب؛ فيتهمون القضاة المخلصين بسوء التصرف ويستبدلوهم بأزلام، أو يطلقون مفتشي الضرائب على محطات التلفزة المستقلة ويجبرون أصحابها على بيعها.

هذه المرحلة هي "الديمقراطية غير الليبرالية"، حيث يتم تقويض الحقوق الفردية وسيادة القانون، وإنما يظل بإمكان الرجال الأقوياء التظاهر بأنهم ديمقراطيون -بما أنهم يفوزون في انتخابات حرة. ثم، في نهاية المطاف، في المرحلة الرابعة، يؤدي تآكل المؤسسات الليبرالية إلى موت الديمقراطية في كل شيء ما عدا الاسم. ويكون مراقبو الانتخابات المحايدون مكممين؛ ومرشحو المعارضة مسجونين؛ وحدود المحافظات والمقاطعات معادة الترسيم؛ والدساتير محرفة؛ وفي الحالات القصوى، تكون الهيئات التشريعية مخصية وعاجزة.

كسب المعركة لا يكون دائماً للرجل القوي

ليست هذه العملية حتمية ولا عصية على الشفاء. فقد تمتعت الهند بديمقراطية نابضة بالحياة منذ 70 عاماً. وتمتعت بمثلها بوتسوانا لأكثر من 50 عاماً أيضاً. ويمكن وقف التدهور، بل وعكس وجهته أيضاً. ففي الأسابيع الأخيرة صوت الماليزيون لصالح إقصاء نجيب رزاق وحزب "أومنو" الذي حكم البلاد منذ الاستقلال؛ وكسر المحتجون في أرمينيا عقداً من حكم الحزب الواحد. وفي كانون الأول (ديسمبر) الماضي، أجبر سكان جنوب إفريقيا الرئيس جاكوب زوما، الرجل القوي الذي سمح لحاشيته بنهب الدولة، على الخروج من السلطة. وحتى تركيا ليست منذورة للفشل الحتمي أيضاً؛ حيث تمتلك أحزاب المعارضة فيها فرصة جيدة لكسب السيطرة على البرلمان هذا الشهر.

من الصعب معرفة أي الديمقراطيات هي المعرضة للخطر. وغالباً ما يكون الركود الاقتصادي وتدفقات الهجرة الكبيرة سلائف للمتاعب، لكنهما ليسا سببين ضروريين ولا كافيين. كان عدد قليل من الناس ليتوقعوا أن تتداعى الديمقراطية في بولندا، وهي اقتصاد مزدهر مع القليل من المهاجرين، والتي استفادت بشكل كبير من عضوية الاتحاد الأوروبي. ولعل الأكثر أهمية من الظروف الكامنة هي الدرجة التي يمكن أن يتعلم بها المستبدون المحتملون من بعضهم البعض –كيف يتم نشر الأخبار المزيفة، وسحق الصحفيين المثيرين للمتاعب، واللعب بورقة الشعبوية. كما أن نقاط ضعفهم متشابهة بشكل ملحوظ أيضاً. فمن ماليزيا إلى جنوب أفريقيا، أصبح الرجال الأقوياء في نهاية المطاف محلاً للاشمئزاز الشعبي بسبب حجم فسادهم.

تنطوي هذه التشابهات على بعض الدروس. ولعل الدرس الرئيسي هو أن المؤسسات تهم. ولطالما ركز تعزيز الديمقراطية الغربية على جودة الانتخابات. لكن القضاة المستقلين والصحفيين المشاكسين يشكلون في واقع الأمر خط الدفاع الأول للديمقراطية. وينبغي على الجهات المانحة والمنظمات غير الحكومية مضاعفة جهودها لدعم حكم القانون والصحافة الحرة، على الرغم من أن الحكام المستبدين سيتهمون حتماً أولئك الذين يتلقون المساعدة بأنهم عملاء أجانب.

الدرس الثاني هو أن انتكاسات الديمقراطية كانت مدفوعة بعمل رجال أقوياء انتهازيين أكثر من كونها ناجمة عن احتضان الناخبين للأيديولوجية الليبرالية. ويؤدي هذا في النهاية إلى جعل هذه الأنظمة المستبدة هشة. وعندما يسرق الأوتوقراطيون بوقاحة شديدة وعلى رؤوس الأشهاد، لن تستطيع أي رقابة منع الناس من معرفة ذلك –والإطاحة بالمستبدين في بعض الأحيان. والدرس الأخير غير المريح أكثر ما يكون، هو أن المثال الذي تضعه الديمقراطيات الناضجة يهُم كثيراً. سوف تقيد المؤسسات القوية في أميركا يد الرئيس دونالد ترامب في الداخل، لكنها لا يمكن أن تمنع ازدراءه للأعراف الديمقراطية –بالكذب المتسلسل، والتودد مع الدكتاتوريين- من توفير غطاء للمستبدين المحتملين في الأماكن الأخرى.

إن التقارير عن وفاة الديمقراطية مبالغ فيها إلى حد كبير. لكن أقل نظام حكم تم ابتكاره سوءاً على الإطلاق أصبح في مأزق. وهو يحتاج الآن إلى مدافعين.

 

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: How democracy dies: Lessons from the rise of strongmen in weak states

ala.zeineh@alghad.jo

 

التعليق