أدمغتنا مغسولة.. لكننا لا نبدو كذلك

تم نشره في الخميس 21 حزيران / يونيو 2018. 12:00 صباحاً
  • فلسطينيون يشيعون جثمان الشهيد أحمد أبو خضر في غزة يوم الإثنين الماضي - (ا ف ب)

هآرتس

 أوري افنيري   20/6/2018

هذا مذهل. علماء النفس عديمو الضمير يعملون لدى نظام خبيث، يستخدمون تقنيات دقيقة من اجل السيطرة عن بعد بدماغ الإنسان. مفهوم "غسل الأدمغة" ولد في العام 1950 وهو مفهوم صيني (شيناو- غسل الدماغ) الذي هدف في الأصل إلى وصف التقنية التي كما يبدو استخدمها خبراء من الصين مع أسرى حرب أميركيين في الحرب الكورية. لقد غيروا طريقة تفكير الأسرى وحولوهم بدون علمهم إلى خادمين لأهداف ظلامية.

من السهل غسل دماغ الإنسان، وحتى دماغ شعوب بأكملها.

"الدعاية" النازية تشكل مثالا كلاسيكيا. جوزيف غوبلز "وزير الدعاية" حولها إلى فن. من بين أمور اخرى حول كل وسيلة إعلام في المانيا إلى أداة بيد النظام فقط. بالألمانية يسمى هذا غلايخ – شالتون، أي الجمع معا. أي ربط كل الادوات في خط كهرباء واحد.

الدعاية الرسمية ظهرت في كل وسائل الإعلام. المواطن لم يسمع ولم يقرأ أي رواية اخرى. الاستماع لقنوات الراديو الاجنبية اعتبرت جريمة خطيرة. هذا حدث عندما واصل الالمان تصديق "الانفصال النهائي" حتى عندما داست اقدام الجيش الاحمر في الشرق وقوات التحالف في الغرب الارض الالمانية.

هل الامر يحتاج نظاما ديكتاتوريا لتحويل وسائل الاعلام إلى آلة لغسل الأدمغة؟ المنطق يقول إن هذا غير ممكن في الديمقراطية. المنطق مخطئ.

يجدر تذكر أن هتلر صعد إلى السلطة في انتخابات ديمقراطية. أيضا الآن يصل في العالم الغربي زعماء من اليمين المتطرف إلى السلطة بواسطة انتخابات ديمقراطية. كل هؤلاء الزعماء يعملون باجتهاد من اجل تصفية المحكمة وملء البرلمان بأدوات غبية، وبالاساس تحويل وسائل الاعلام إلى آلة لغسل الادمغة مثلما هو الامر لدينا.

كيف يقومون بذلك؟ هذا بسيط جدا: أ. يُسكتون الاصوات المعارضة. ب. يهتمون بأن يسمع المواطن رأيا واحدا فقط. ج. يكررون إلى درجة مخجلة عدة شعارات اساسية. هكذا يتحول الكذب إلى حقيقة. في هذا الوضع المواطن متأكد من أن الرأي الرسمي هو حقا رأيه الشخصي. هذه عملية غير مدركة. عندما يقولون للمواطن إنه مغسول الدماغ هو يشعر بالاهانة. هذا يحدث في إسرائيل في السنوات الاخيرة. المواطن لا يدرك ذلك لأنه يغذى بتنوع واسع من الصحف وقنوات الراديو والتلفزيون. ظاهريا وسائل الإعلام تتنافس فيما بينها وحتى أنها تتشاجر فيما بينها. المواطن لا يدرك أنه في الموضوع المركزي لوجودنا، الحرب والسلام، كل وسائل الاعلام "مربوطة بخط" غسل الادمغة.

في الأسابيع الاخيرة قُدم لنا مثال كامل عن هذه الظاهرة: الإيرانيون في حدود قطاع غزة. هيا نفحص أنفسنا. ماذا سمعنا في الراديو؟ ماذا شاهدنا في التلفزيون؟ ماذا قرأنا في الصحف؟

خلال بضعة اسابيع قتل أكثر من 100 مواطن في قطاع غزة واصيب بالنار الحية الآلاف.

"لقد اضطررنا لإطلاق النار لأنهم اقتحموا الجدار"، هذا منطقي تماما حيث أن الغزيين سموا مظاهراتهم "مسيرة العودة". أي العودة إلى ارض اسرائيل. ولكن في "يوم الاثنين الاسود" في 14 أيار، قتل 63 متظاهرا غير مسلح واصيب نحو 1500 بالنار الحية. كل مواطن يعرف أن هذا كان مطلوبا لأن المتظاهرين اقتحموا الجدار وكانوا سيغرقون إسرائيل. لم يلتفت أحد إلى عدم وجود أي صورة توثق ذلك. رغم وجود مئات المصورين في الطرفين بمن فيهم مصورو الجيش الذين صوروا كل شيء بالتفصيل. عشرات الآلاف اقتحموا ولا توجد أي صورة لذلك؟

يجدر الانتباه إلى استخدام كلمة "إرهاب". لقد تحولت إلى صفة التصقت بكل شيء. ليس هناك مجرد أنفاق، توجد انفاق إرهاب، "نشطاء إرهاب"، "سلطة إرهاب حماسية"، "قواعد إرهاب" و"شعارات إرهاب". الآن باتت طائرات ورقية إرهابية. وبالطبع كل من التصقت به كلمة إرهاب هو "محكوم عليه بالموت"،حتى يأتي مفهوم اجمل هو غسل الادمغة.

سكان غزة "مخربون"، جميعهم؟ بالطبع، ما هذا السؤال، كل عناصر حماس. لكن حركة حماس حزب فاز بالأغلبية في انتخابات ديمقراطية. وهي حزب مدني وله جناح مسلح. ولكن في وسائل اعلامنا كل اعضاء الحزب المؤيدين هم "مهربون يستحقون الموت".

إن استخدام هذه الكلمات مئات المرات في اليوم يشكل غسل دماغ واضح. بدون أن يشعر المواطن بذلك. هو اعتاد أن يعتبر كل الغزيين "ارهابيين". هذه عملية لنزع الانسانية، خلق "تحت انسان" باللغة النازية التي قتلهم مسموح وحتى مرغوب فيه.

في هذا الجو فإن جملا مرعبة حقا تمر وكأنها مفهومة من تلقاء ذاتها. مثلا الجملة التي سمعتها في الاسبوع الماضي من مراسل عسكري في التلفزيون: "(في المظاهرة القادمة) إيران تريد قتلى، ويبدو أنها ستحصل على ذلك". يجدر التفكير بهذه الجملة مرة اخرى. هي تقول إنه فعليا قناصة الجيش يعملون في خدمة المصالح الإيرانية.

أو جملة تكرر نفسها شفهيا وخطيا "إيران تريد تدميرنا". نحن لا نعرف ماذا يريد الـ 80 مليون من سكان إيران. الجملة نفسها مضحكة. اسرائيل هي دولة نووية، كيف يمكن تدمير دولة نووية؟ هل الإيرانيون مستعدون لتحويل بلادهم، وهي احدى أمهات الثقافة الانسانية، إلى مقبرة؟ أو جملة "في يوم السبت يتوقع مظاهرة اخرى عنيفة". "عنيفة"؟ "أيضا"؟ كل المظاهرات في اطار "مسيرة العودة" كانت غير عنيفة، لم تطلق فيها أي رصاصة من المتظاهرين. لكن الجملة الكاذبة تمر كأمر مفهوم ضمنا.

الامور وصلت إلى الذروة، ووصلت إلى الممرضة رزان النجار، المتطوعة ابنة الـ 22 عاما، التي قتلت على بعد امتار عن الجدار اثناء محاولتها انقاذ جريح. القناص الذي أطلق النار عليها رأى أنها ممرضة وأنها تعالج الجرحى. قتلها كان جريمة حرب.

هل ثار هناك احتجاج عام؟ هل خرجت الصحافة عن طورها من اجل المطالبة بتحقيق؟ هل خصصت الصحف لهذه الحادثة العناوين الرئيسة؟ هل اعضاء الكنيست طلبوا الوقوف دقيقة صمت؟ شيء من هذا لم يحدث. اخبار قليلة في الصحف (ليس فيها جميعها)، مقالات عميرة هاس وجدعون ليفي في "هآرتس"، وهذا كل شيء.

نعم، ثارت عاصفة دولية، ومغسولي الادمغة رأوا أنه لا يمكن أن لا نرد. عندها أعلن المتحدث بلسان الجيش الاسرائيلي أنه تم اجراء تحقيق، وماذا كشف التحقيق. أن احدا لم يطلق النار بشكل متعمد على الممرضة، لقد اصيبت بشظية رصاصة اصابت الارض بعيدا عنها. حتى أن صندوق الجيش يجب عليه أن يخجل من هذه الرواية. ولكن في اوساط الجمهور مغسول الدماغ هذا مر بهدوء.

آدم كيلر، المتحدث بلسان "كتلة السلام"، نشر في وسائل الاعلام "اغنية للممرض" التي كتبها دان الماغور في 1956 عن ممرض عالج مصاب تحت إطلاق النار وقتل. هذه اغنية تثير المشاعر إلى درجة ذرف الدموع والتي يغنيها يورام غاؤون. الممرض هنا تحول إلى ممرضة ولم تكن حاجة لتغيير أي كلمة اخرى.

ما الذي يمكن عمله ضد جهاز كهذا لغسل الادمغة؟ ليس الكثير.

أولا وقبل كل شيء: يجب خلق صوت آخر. غسيل الدماغ يكون فعالا فقط عندما يحظى الصوت الرسمي باحتكار مطلق. هذا كان الهدف الرئيس لـ هعولام هزيه" على مدى الاربعين سنة التي توليت فيها تحريرها. أمام كل رواية حكومية كاذبة نشرنا رواية مناقضة. صوتنا كان ضعيفا أمام الالة الحكومية الضخمة (حتى في حينه)، لكن مجرد حقيقة أن هناك صوتين، يمنع غسل الادمغة المطلق. المواطن يبدأ بالتفكير ويسأل "من هو على حق؟".

إذا انشأت كل منظمات السلام وحقوق الإنسان في إسرائيل معا مركزا إعلاميا في إسرائيل بحيث يسمع صوته، ربما يكون بالامكان كسر مؤامرة الوحدانية للدعاية الرسمية. ربما.

في البلاد عدد قليل من الكتاب والمحللين الذين لا يخشون من قول الحقيقة، حتى عندما يعتبر هذا خيانة. يجب الاهتمام بأن يتم اسماع صوتهم، يجب تشجيعهم باظهار الدعم علنا. يجب الطلب من كل وسائل الإعلام تخصيص مساحة مناسبة لبيانات من الجانب الثاني، "العدو الداخلي"، التي تناقض بيانات الدعاية الرسمية من اجل اعطاء المواطن امكانية للموازنة.

يجب تمكين وسائل الاعلام الاجنبية من الوصول الحر إلى المعلومات، حتى عندما تكون الصحافة الاجنبية انتقادية، "معادية، لاسامية" وماذا بعد. يجب تشجيع دعاة السلام الإسرائيلي الفلسطيني في ارجاء العالم على الضغط على وسائل الإعلام المحلية لديهم كي تقوم باصدار تقارير حقيقية حول ما يجري في البلاد.

أنا لا أحب كلمة "يجب" في هذا السياق، لكن لا توجد كلمة اخرى.

قوة الحقيقة أمام ماكينة رسمية لغسل الادمغة دائما قليلة، لكن في نهاية المطاف الحقيقة تنتصر، حتى لو استغرق هذا وقتا واحتاج إلى شجاعة.

التعليق