ثقافة التعامل مع المسجد

تم نشره في الجمعة 22 حزيران / يونيو 2018. 12:00 صباحاً

د. أحمد ياسين القرالة

يعد المسجد من المؤسسات الدينية ذات الطابع الاجتماعي؛ حيث يجتمع فيها المسلمون خمس مرات في اليوم والليلة لأداء الصلوات المفروضة جماعة، التي تبدأ من الفجر وبداية اليوم وتنتهي بالعشاء ونهاية اليوم.
ولهذا الاجتماع الذي يحضره الصغير والكبير، الرجل والمرأة، مقاصد جليلة وحكم عظيمة، أولها وأهمها شعور المسلمين بالتضامن المادي والروحي فيما بينهم تحقيقاً لأخوتهم الإسلامية؛ لأجل ذلك حث القرآن الكريم على بناء المساجد وعمارتها مادياً بالبناء والتشييد، ومعنوياً بالعبادة والذكر، حتى تكون موئلاً للمسلمين ومركز لقائهم واجتماعهم، فقال تعالى: "إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ"، وحبب النبي عليه السلام المسلمين بالمساجد وجعلها من أفضل البقاع وأطهرها، فقال: "أَحَبُّ البلاد إلى الله مساجدُها، وأبغضُ البلاد إلى الله أسواقها".
وحتى لا يؤدي هذا الاجتماع إلى نقيض مقصوده وعكس مطلوبه، فإن الإسلام فرض على مرتادي المساجد مجموعة من الأخلاق وجملة من السلوكيات التي ينبغي الالتزام بها، أهمها كف الأذى عن المصلين والمجاورين للمسجد؛ إذ لا ينبغي أن تكون العبادة سبباً لأذية الناس وإلحاق الضرر بهم مادياً ومعنوياً مهما كان هذا الضرر تافهاً ويسيراً، فقد ورد في الحديث أن النبي عليه السلام نهى آكلي البصل والثوم عن ارتياد المساجد وشهود الجماعات حتى لا يؤذوا المصلين بتلك الرائحة، فقال عليه السلام: "من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئا فلا يقربنا في المسجد". والمقصود بالشجرة هنا ثمرة الثوم، فإذا كانت رائحة الطعام المؤذية ممنوعة فما هو أعلى منها وأشد أولى بالمنع.
كما نهى النبي عليه السلام عن إزعاج المصلين بأي صورة من صور الإزعاج حتى لو كان ذلك بقراءة القرآن، فعن أبي سعيد رضي الله عنه، قال: "اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر، وقال: ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة".
ولعل من أبرز مظاهر الأذى التي يلحقها المصلي بغيره، تدخله السافر في شؤون المسجد وطريقة إدارته؛ حيث يحشر بعض المصلين أنوفهم في كل صغيرة وكبيرة في المسجد وكأن المسجد ملك خاص بهم أو وجد لأجلهم فقط، فهم يريدون تحقيق مصالحهم الخاصة ورغباتهم الشخصية حتى وإن كانت على حساب رغبات ومصالح بقية المصلين؛ إذ تجد أن بعضاً من المصلين لا يحب ولا يرغب بتشغيل المكيفات أو المراوح في المسجد، وهذا حق لهم، لكن ليس لهم أن يلزموا جميع المصلين بذلك، وأن يحملوهم على رغباتهم ومتطلباتهم، بل يجب عليهم أن يكيفوا أنفسهم وأن يعدلوا من طبيعتهم لتتسق مع مجموع المصلين وتتوافق مع بقية المجتمعين؛ إذ لا ينبغي للمسلم أن يكون أنانياً؛ لأن الأنانية تتناقض كفاحاً مع رسالة المسجد ومقاصد الصلاة جماعة.
وإذا عجز المصلي عن التكيف مع بقية المصلين والخضوع لروح الجماعة، فإن الواجب عليه أن يصلي في بيته فهذا أفضل له وأكرم حتى لا يقع في أذية المصلين والإضرار بهم.
ولا ينبغي علينا أن ننسى الأذى الذي يلحقه بعض المصلين الذين يستعملون سياراتهم بالسكان المجاورين للمسجد؛ إذ نجدهم يغلقون الشوارع ويعطلون حركة السير ويغلقون المواقف الخاصة للسيارات، فهذا الأذى يجب أن يتوقف وينتهي حتى لا يتحول جوار المسجد إلى مصيبة ونقمة على أصحابه، وفي ذلك إساءة أيما إساءة للمسجد وصورته.

التعليق