مروان المعشر

مهمة الإصلاح غير المجتزأ

تم نشره في الأربعاء 27 حزيران / يونيو 2018. 12:08 صباحاً

كثر الحديث في الأسبوعين الماضيين حول كيفية تشكيل حكومة الدكتور عمر الرزاز وفيما إذا كان هناك تدخلات في تشكيلها أم لا. سقف التوقعات العالي وطبيعة الرئيس الإصلاحية هما ما ألقيا بظلال من الشك حول تشكيلة الحكومة، وبخاصة أنها تضمنت خمسة عشر وزيرا من حكومة الملقي وأنها خليط من الشخصيات المحافظة والليبرالية، ما يلقي ظلالا من الشك حول إمكانية تجانسها واتفاقها على برنامج إصلاحي حقيقي.
أكتب هذا الكلام وقد مررت شخصيا بتجربة الأجندة الوطنية التي أظهرت لي صلابة القوى المحافظة وقدرتها على إفشال التجارب الإصلاحية بغض النظر عن الرغبة في تحقيق الإصلاح، وهو ما يستدعي الانتباه لأمور أراها جوهرية للتعامل مع المرحلة المقبلة.
بغض النظر إذا كانت التشكيلة نتاجا لرأي الرئيس أو لضغوط ما، فالمهم التركيز الآن على برنامج الحكومة ونتائج أعمالها، فالمتوقع منها ليس أقل من البدء بتغيير النهج في إدارة الدولة. على شخوص الحكومة كافة المحافظة منها قبل الليبرالية أن تعي ذلك، فالأسلوب القديم لإدارة الدولة قد استنفد ولم يعد يصلح لوضع البلاد على طريق الأمان، كما أنه يحظى اليوم بمعارضة شعبية واسعة.
تصريحات الرئيس مشجعة من ناحية وعيه أن مهمة الحكومة لا تقتصر على الأمور التقنية البحتة، وأن الأزمة لن تحل بتغيير الشخوص الاقتصادية في الحكومة الماضية، فالمعالجة لا تستطيع أن تقتصر على الأمور الاقتصادية البحتة بدون البدء بالتوازي في معالجة الأمور السياسية وفتح المجال السياسي تدريجيا بما يضمن إعطاء الناس صوتا حقيقيا ووضع البلاد على طريق تطوير الأحزاب والتوقف عن سياسة دعم الأحزاب لفظيا ومحاربتها فعليا.
لن تتمكن الحكومة من حل هذه المشاكل كافة بعصا سحرية، ولكن إن نظرت لنفسها على أنها حكومة اقتصادية بحتة، فالفشل نصيبها، وإن استمرت في إدارة البلاد بالطرق التقليدية فالفشل نصيبها أيضا، وإن اعتقدت أننا نمتلك ترف الوقت اللامتناهي للإصلاح السياسي ومشت بخطوات سلحفائية فالفشل نصيبها مكررا. بالمقابل تنجح الحكومة إن أقنعت الناس أن البدء بالحلين؛ السياسي والاقتصادي المتوازيين هاجسها الدائم، وأن إعادة الثقة بين المواطن والدولة هي ما يؤرق نومها كل ليلة.
لقد خلت التشكيلة الحكومية من شخصيات سياسية متمرسة ذات خبرة داخل الدولة تؤمن بضرورة الإصلاح السياسي والتأسيس لحياة حزبية نيابية جادة ووقف تغول السلطة التنفيذية على مفاصل القرار. وبينما يعي الرئيس تماما، كما صرح في مؤتمره الصحفي، أن لا إصلاح اقتصاديا من دون الإصلاح السياسي، فإن أكبر الصعوبات التي ستواجهه هي تشكيل كتلة حرجة داخل وخارج الحكومة تؤمن بضرورة الإصلاح السياسي وتقف في وجه من لا يفتأ يردد أن المشكلة في الأردن اقتصادية فحسب تجنبا لأي إصلاح ينتقص من امتيازاته المنتزعة من حقوق الناس. هناك عدد من الوزراء الجدد يؤمنون بذلك ومن المؤمل أن يعتمد الرئيس عليهم في هذه المهمة.
يستحق كل رئيس أن يعطى فرصة، وفي غياب الأحزاب والبرامج، ليس مستغربا أن يأتي أي رئيس بالفريق الذي يعتقد أنه يساعده على النجاح، ولكن المسؤولية كبيرة اليوم، وليسمح لي الرئيس، فهي لا تقتصر على محاسبة شخص الرئيس فقط، فليس لدينا متسع من الوقت. أنا أعرف أن الرئيس الرزاز يعي ذلك جيدا، ولكن من المهم أن يعيه أيضا كل وزير في حكومته، فالناس لن يقبلوا عرقلة الإصلاح السياسي من الآن فصاعدا، وليس من مصلحة أحد العودة للشارع. لكن الدرس الأكبر الذي أعطانا إياه الشارع أن عصر الوعود الإصلاحية والأفعال المعاكسة ما عاد يقنع أحدا.

التعليق