إبراهيم غرايبة

الأردن عشر سنوات من التقشف المنحاز

تم نشره في الأربعاء 27 حزيران / يونيو 2018. 12:07 صباحاً

أغرقتنا الحكومة الجديدة الأنيقة (جدا) بالـ"داتا شو"، لكن حان الوقت لنصحو قليلا بعد هذا التصفيق الذي استحقه المؤدون لنسأل أنفسنا ببساطة الأسئلة البديهية إلى أين نمضي؟ وماذا سيكون عليه الحال إذا استمرت سياسات التقشف المنحازة التي تمارس وتسوق على أنها إنجازات. ماذا سيكون مستوى المعيشة إذا بقيت المرافق العامة بلا صيانة وهي ابتداء مدمرة؟ وما مصير التعليم في أسئلته البديهية (الاستيعاب والقراءة والكتابة ومهارات الحياة الأساسية) إذا لم تنشأ مدارس جديدة تستوعب التلاميذ، علما بأنه تكاد لا تبنى مدارس جديدة ولم ألاحظ مدرسة جديدة في عمان منذ جئت إليها في العام 1990، لكني ألاحظ المدارس الخاصة تتكاثر مثل الذباب في الغور، بل تحولت أحياء مثل خلدا إلى أمكنة خطيرة على الساكنين ولم تعد تصلح للإقامة بسبب المدارس الكثيرة جدا وأساطيلها الهائلة والمتهورة والمتعجرفة من الباصات البرتقالية، خلدا أصبحت بسبب المدارس الخاصة مثل ساحات ورشات فوضوية وخطيرة.
سوف يتزايد عجز المدارس عن الاستيعاب، وبطبيعة الحال سيتزايد التسرب من المدارس والتعليم الأساسي في ظل تراجع مستويات المعيشة وعدم وجود مدارس جديدة واستهلاك المباني المدرسية القائمة وهي متهالكة ابتداء، وأمام هذه النسبة العالية التي قد تتجاوز 25 في المائة من التلاميذ في سن الدراسة سيكون الحلّ الواقعي أو الإنقاذي تحويل المدارس الحكومية جميعها أو معظمها إلى مدارس أساسية وتخفيض نسبة التعليم الأساسي إلى الصف الرابع، وليس أمام المواطنين بعد ذلك سوى التوقف عن إرسال أولادهم إلى المدارس أو إرسالهم إلى مدارس خاصة مكلفة جدا لن يكون في مقدور أكثر من ربعهم تحمل تكاليفها، وقد تجد الحكومة نفسها موافقة على التعليم المنزلي أو من خلال الانترنت والاكتفاء بالامتحانات والمراقبة والدعم بالمحتوى والتعليم من خلال منصات إلكترونية، ولا بأس بذلك على أي حال، لكن في ظل غياب المجتمعات المستقلة والمتماسكة والقادرة على توفير مساحات ومؤسسات اجتماعية وثقافية ورياضية سوف نواجه أزمة اجتماعية ثقافية، وخاصة أن الحكومة صادرت المساحات المخصصة للمواطنين وأهدتها الى نخب متطفلة على الموارد والمجتمعات، متنزهات منحت للاحتكاريين ومكتبات أطفال حولت إلى مطاعم بشعة متعجرفة، ومساحات منحت لمدارس خاصة لتقيم أندية على حساب الخزينة ولمضافات عشائرية، ...
وبالطبع سوف تنكمش الجامعات وتغلق على فئة خاصة محدودة، ويتبع ذلك المهن والفرص "النبيلة" ويتحول ثلاثة أرباع المواطنين إلى محليين (locals)، كما يوصفون فعليا في وسائل الإعلام، ومهمشين اجتماعيا واقتصاديا، وسوف يكرس التقسيم الاجتماعي الجديد غير المستفز والذي كرس في الدوار الرابع في الأيام القليلة الماضية.. عمان والمحافظات.
وفي استمرار وتراجع الخدمات الصحية والأساسية، سوف يكون نصف المواطنين غير قادرين على الحصول على تأمين صحي لائق ومناسب، لن يظل مجال سوى المستشفيات الخاصة والخدمات الطبية للعسكريين، وأما المستشفيات الحكومية فسوف يذهب إليها المواطنون ليموتوا! وربما يكون مناسبا على نحو ما مع تراجع مستوى الخدمات الصحية أن تنخفض معدلات الأعمار فيكون مناسبا البدء بالعمل بعد الخروج من المدرسة في سن العاشرة، وتنتهي أزمتنا الصحية والأخلاقية المروعة والقائمة بصمت ولا نريد أن نعترف بها رسميا ومجتمعيا، أقصد الحالة المأساوية للمعوقين وكبار السن؛ إذ سوف تتطوع العناية الإلهية بالموت في سن مبكرة وسوف تتزايد الوفيات المبكرة مع العمل مبكرا وفي ظروف اقتصادية واجتماعية وقانونية هي أقرب إلى الاتجار بالبشر.
عندما بدأ الحديث في أوائل التسعينيات عن الفقر في الأردن غضبنا رسميا ومجتمعيا، هبّ الوزراء والمسؤولون للردّ على الذين يسيئون إلى المجتمع والبلد، لكننا اليوم نتحدث عن الفقر باعتزاز وملأنا به الشاشات الأنيقة اللامعة وبرامج بور بوينت وفوتوشوب في الفنادق، ويعجبنا اليوم كثيرا أن نكون متسولين!

التعليق