د.أحمد جميل عزم

العرب وخطة كوشنير

تم نشره في الثلاثاء 26 حزيران / يونيو 2018. 11:06 مـساءً

لا شك أنّ جزءا كبيرا من العرب والفلسطينيين والقيادة الفلسطينية تنفس الصعداء قليلا، مع الأنباء عن الرفض العربي الرسمي الذي تبدى بطرق عدة للتعاطي مع طروحات جاريد كوشنير، البالغ من العمر 37 عاماً، والذي لم يكن ليكون في موقع تولي مسؤولية الملف العربي الإسرائيلي، لولا صهيونيته اليهودية، ولولا أنّه زوج ابنة الرئيس الأميركي.
ما يتسرب يومياً، وما كان متوقعاً لمن يتابع الملف العربي الإسرائيلي بشكل حثيث، أنّه لا يوجد شيء يسمى "صفقة القرن" لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل خطة لم تتبلور بعد، أهدافها الأولى تحقيق تقدم في التطبيع العربي الإسرائيلي، وقبول فلسطيني وعربي بضم القدس والمستوطنات للإسرائيليين، في تمهيد لضم المزيد من الأرض، وتصفية قضية اللاجئين.
كل ما يقال عما قد يقدمه الأميركيون من مقترحات بشأن ما سيقدم للفلسطينيين، ما يزال غير واضح، وسواء أكان المسؤولون الفلسطينيون أم العرب، يعتمدون على تسريبات وتصريحات جزئية هنا وهناك، عبر لقاءات أو تصريحات إعلامية. فالبعض يتحدث عن اقتراح عاصمة فلسطينية في بعض أحياء القدس الشرقية، وربما حدود انتقالية، وتقديم مساعدات ومشاريع إغاثة لتعويض وتمرير تصفية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين، وتطبيق فكرة توطين جزء من اللاجئين حيث هم أو في مناطق جديدة، وعودة عدد محدود للغاية لفلسطين المحتلة العام 1948، وقبول جزء منهم بالضفة الغربية وقطاع غزة، بعد تسمية أجزاء منها باعتبارها دولة فلسطين. وسيتم تمرير ضم المستوطنات والقدس بطرح مشاريع اقتصادية تؤمن دخلاً أكبر للفلسطينيين (شريطة أن تكون مرتبطة بإسرائيل، ولا تتضمن استقلالا اقتصاديا أو سياسيا، وأن يكون جزءٌ من تمويلها عربيا).
رفض العرب، كما يُفهم ضمناً من تصريحات أدلى بها كوشنير، وبحسب التصريحات العربية الرسمية، أي فكرة لا تتضمن دولة فلسطينية على حدود العام 1967 وعاصمتها القدس.
بعض ما يطرحه كوشنير "كمقابل" للموافقة العربية للتطبيع مع الإسرائيليين، والدخول معهم في مشاريع اقتصادية، ووقف المطالب السياسية الفلسطينية، وهو جميعه في إطار التلميح والأفكار غير الرسمية، مرفوض عربيا وفلسطينيا، مثل توطين اللاجئين. وفي المقابل فإن مشاريع الاقتصاد والمساعدات ومراجعة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للاجئين، ودور دولة فلسطين، ومنظمة التحرير الفلسطينية، إزاء الفلسطينيين (مواطني دولة فلسطين)، داخل وخارج فلسطين، كلها لا تحتاج لخطة أميركية، خصوصا أنّ المطروح أصلا في الخطة الأميركية، مساعدات عربية وأوروبية.
لقد حصل الفلسطينيون، عقب اتفاقيات أوسلو، على اتفاقيات تجارية مهمة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، حصل الفلسطينيون على حصص "كوتا" لتصدير الزهور إلى دول أوروبية، ولكن الاحتلال وإعادة اجتياح الضفة الغربية العام 2000، والحصار على قطاع غزة، هي ما يعيق مثل هذه المشاريع.
يريد الإسرائيليون وضعا اقتصاديا (قائم بالفعل)، يقوم على أن الدخل الأساسي للميزانية الفلسطينية، يأتي من ضرائب التجارة مع وعبر السوق الإسرائيلية، في مسعى لتصبح هذه التجارة بالنسبة للحسابات المالية الفلسطينية، بمثابة مصدر أمان.
هناك تصورات للرد على التعنت الإسرائيلي بدءا من المقاومة الشعبية مرورا بالمقاطعة بأنواعها الاقتصادية والثقافية والرياضية والأكاديمية، وصولا إلى التحرك في المنظمات والهيئات الدولية، ولكن أيضاً هناك شق اقتصادي ومالي وسياسي يتعلق بدعم وإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية، وتأهيل الفلسطينيين اقتصادياً، والمطالبة بعدم تنصل الطرف الإسرائيلي من التزاماته في اتفاقيات أوسلو، وباريس الاقتصادية.
ما الذي يمنع عقد قمة عربية متخصصة بفلسطين تقوم بعد دراسات معمقة يقدمها فلسطينيون وجامعة الدول العربية وبعد اتصال وتفاعل ونقاش مع المسؤولين العرب، لتقديم الدعم المطلوب، والتصورات للقضية الفلسطينية، ومستقبلها، وبما يقطع الطريق على قوى إقليمية قد تريد استخدام فلسطين، ورقةً بيدها، وهو ما تؤمن دول عربية عدة أنّ إيران تفعله، وبما يقطع الطريق أيضاً على أفكار من نوع ما يقدمه كوشنير وفريقه، من اعتبار أن "رفع الأجور" وتأمين مكاسب مالية قصيرة المدى للفلسطينيين، (كما جاء في مقابلته مع صحيفة القدس الفلسطينية) هو الجزرة والمقابل لتنازلات عربية وفلسطينية، وبالتالي يمكن أن يقال إن ما يعد به كوشنير خصوصاً اقتصاديا، لا يحتاج لوضعه في خطة سلام، وهو متحقق عربيا. وبطبيعة الحال قبل هذه القمة يمكن للوسطاء والأشقاء العرب أن يكونوا قد قدموا تصورا أيضاً يساعد على إنهاء الانقسام الفلسطيني-الفلسطيني.

التعليق