علاء الدين أبو زينة

ماذا في فوز إردوغان..!

تم نشره في الخميس 28 حزيران / يونيو 2018. 12:07 صباحاً

 

بالنسبة للأتراك أنفسهم، ربما يعني انتخاب رجب طيب إردوغان بسلطات رئاسية شبه مطلقة شيئاً مهماً. وقد أشر على ذلك مصرع 265 مدنياً تركياً عندما وقفوا أمام دبابات الانقلابيين ليلة 16 تموز (يوليو) 2016 دفاعاً عن نظامه. ويبدو فوز إردوغان محيِّراً من ناحية أنه اشتغل على عمل  ترسيخ سلطته من خلال تغيير الدستور، وتحويل البلد من جمهورية برلمانية إلى واحدة رئاسية، وإلغاء منصب رئيس الوزراء لإحكام قبضته الخاصة على البلد. ويعرض فوزه الأخير المفارقة في أن تفرز الممارسة الانتخابية، الديمقراطية في الأساس، زعيماً يصفه الكثيرون بأنه أوتوقراطي. لكن هذا التجلي هو نسخة أخرى فقط من صعود القادة القوميين الشعبويين في أنحاء كثيرة، بما فيها الولايات المتحدة نفسها.

قد يمكن تفسير شعبية إردوغان بالإصلاحات الاقتصادية المثيرة للإعجاب التي حققها بلده في عهده، حيث وضعها بين أكبر 20 اقتصاداً في العالم، ووسع الطبقة الوسطى بشكل هائل. لكن إنجازاته المادية كانت مصحوبة –وغير منفصلة عن- إحياء الروح القومية التركية وتضخيمها. وفي واقع الأمر، أصبحت إحدى الوصفات الناجحة لكسب الشعبية أن يشتغل الزعيم الطامح على تحريض العزة الوطنية في مواطنيه، كوسيلة للتحشيد، في زمن تراجعت فيه النزعات الأممية لصالح الهويات الأضيق بينما يسود التنافس على التعاون دولياً. وقد عمل إردوغان على تحويل تركيا في عيون الأتراك من بلد تابع يطمح إلى عضوية الاتحاد الأوروبي ويواجه العقبات، إلى قوة إقليمية تؤثر في الوجهات وتنطوي على مطامح القيادة. كما أن أيديولوجية حزب العدالة والتنمية، الإسلامية المحافظة، راقت للأتراك الورعين الذين حيدهم النظام العلماني في الفترة السابقة. وما من وصفة لكسب الشعبية أفضل من مزيج القومية وحمل القضية الإسلامية.

مع ذلك، وضع إردوغان وحزبه تركيا في مجموعة من المشاكل. فقد أصبح بلده في السنوات الأخيرة هدفاً للهجمات الإرهابية، وتوقف النمو الاقتصادي الذي كان متسارعاً. وعلى صعيد الحريات، أصبحت تركيا أكثر بلد يسجن الصحفيين ويقمع التعددية. واجتاح البلد نحو ثلاثة ملايين لاجئ من سورية التي ساهم إردوغان نفسه في تعميق اضطراباتها وتهجير أهلها. وبعد الانقلاب الفاشل، اعتقل نظام إردوغان عشرات الآلاف من الأتراك أو طردهم من وظائفهم. وانتهت آمال الأتراك في مكاسب عضوية الاتحاد الأوروبي، وأصبح المشهد السياسي الداخلي مستقطباً. كما تفاقمت مشكلة البلد مع الأكراد المحليين والإقليميين.

مع ذلك، منحت هذه الأحوال المضطربة نفسها إردوغان مبرراً يسوق به مطالبته بالمزيد من الصلاحيات، حيث يُفترض أن تمنحه القوة الإضافية القدرة على مواجهة هجمات الإرهابيين والانقلابيين، ومختلف التهديدات التي تتعرض لها تركيا. ومن المفارقات أن سياسات إردوغان نفسها هي التي وفرت المجال لعمل السلفيين والجهاديين، دعوياً وعملياتياً، الذين أصبحوا الإرهابيين الذين يشنون الهجمات العنيفة في تركيا. ولا سر في أن تركيا –بعهدة إردوغان- سهلت عبور آلاف الجهاديين العرب والغربيين إلى سورية عبر مطاراتها وحدودها. وقد أضافت الحرب السورية قطعاً إلى خوف الأتراك من تهديد الأكراد الداخليين والمجاورين، والذي استغله إردوغان أيضاً.

تفاصيل قصة إردوغان التركية كثيرة ويصعب اختصارها. لكنها لا تبتعد كثيراً عن مجموعة المفارقات التي يشهدها العالم الذي يبدو أنه يعيد تعريف مفاهيمه وهوياته، من الديمقراطية إلى الليبرالية إلى الشعبوية والأتوقراطية. لكنَّ ما يعنينا –نحن العرب- في تركيا هي أنها في جوارنا. ومع أننا نشترك معها في الإسلام –السني أيضاً كمعظم العرب- فإن القومية التي تميز سياساتها تجعلها في النهاية قوة أخرى طامحة إلى الهيمنة علينا، بالقوة الناعمة والقاسية على حد سواء.

لا نعرف بالضبط لماذا احتفى بعض العرب بفوز إردوغان بالرئاسة ذات الصلاحيات شبه المطلقة، التي تجعله شبيهاً بزعمائهم الذين يحتجون ضدهم. ربما يحتفون بالممارسة الديمقراطية نفسها هناك، فيكونون أشبه بمن تتباهى بشعر خالتها. أو ربما يعجبهم تناغم خطابه الإسلامي مع الاتجاهات الكاسحة في المنطقة، أو خطابه القوي أحياناً –دون عمل- ضد الكيان في فلسطين. لكنه صرح عقب فوزه بأن القوات التركية ستواصل "تحرير الأراضي السورية". ويعني "التحرير" استعادة أرض كانت لك. هل يريد إردوغان "تحرير" أراضي أجداده العثمانيين في منطقتنا؟

للأتراك أسبابهم قطعاً فيما يعملون. أما العرب المحتفلون، فلله في خلقه شؤون!

التعليق