الحب الإلهي

تم نشره في الجمعة 29 حزيران / يونيو 2018. 12:00 صباحاً

د. أحمد ياسين القرالة

ليس شيء كالحب محفزاً للإنسان على العمل والإخلاص فيه، فكلما ارتفع منسوب الحب ازداد النشاط وكثر العطاء وارتفعت الهمة وهانت الصعاب، فكان الحب لذلك ملازماً لحياة الإنسان في سيرته وعبر مسيرته على هذه الأرض، يعبّر به الإنسان عن عاطفته الذاتية وأشواقه القلبية تجاه مثير لتلك العاطفة ومحفز لأشواقه ومحرك لشجون قلبه ومقتضيات روحه.
ولهذا الحب مظاهر متعددة واتجاهات مختلفة ومشارب متنوعة، فهو قد يكون متجها نحو إنسان ذكرا أو أنثى، وقد يكون  متجها نحو بلد أو وطن وقد يكون نحو إله أو معبود أو فكرة معينة، وقد عبر القرآن الكريم عن ذلك بقوله تعالى: "وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ".
ولا يتحقق الحب إلا إذا شعر المحب بفضل للمحبوب عليه وانجذاب يدفعه للميل إليه، فكلما كان الفضل أكبر وأقوى وكلما كان مشبِعاً للحاجات المادية والنفسية للمحب كان أقوى وأعنف؛ لأجل ذلك كان من المفروض أن يكون حب الله تعالى في أعلى الدرجات وأرقاها مرتبة، لأن الله تعالى هو المنعم المتفضل وكل فضلٍ أورث حباً إنما كان بفضل الله وتوفيقه، لذلك جاء التحذير الرباني من الغفلة عن ذلك والخلل في ترتيب المحبوبات وتحديد درجاتها، فقال تعالى: "قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ" فحب الله تعالى ينبغي أن يكون الأول لا يتقدمه حبٌ؛ لأن كرمه لا يعلوه كرم وفضله لا يدانيه فضل.
ويزداد حب الله وينمو بدوام التأمل في نعمه واستشعار قيمتها وأهميتها؛ لذلك وردت المئات من آيات القرآن الكريم التي تذكّر الإنسان بآلاء الله تعالى ونعمه ظاهرة وباطنة، وهي نعم لا يمكن عدها وإحصاؤها لكثرتها وعظمتها، فقال تعالى: "وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ"، وليس ذلك إلا  ليثير عند الإنسان مكامن الحب ويفجر في نفسه أشواقه الروحية، ويوجه عاطفته وجهتها الحقيقية، وبهذا الحب يندفع الإنسان نحو طاعة الله تعالى وتنفيذ أوامره بكل فرح سرور ورغبة واشتياق، هذه الطاعة التي توصله في النهاية إلى محبة الله تعالى ورضاه، فلا حب أعظم وأرقى وأجمل من الحب المتبادل بين العبد وربه، قال تعالى: "قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ"، وإذا وصل الإنسان لهذه الدرجة وصل إلى مرتبة العبودية الحقة، عبودية عنوانها الحب في الله ولذات الله.
ولما كان خضوع الإنسان واستسلامه إنما يكون بأحد أمرين إما بالحب والترغيب أو بالخوف والترهيب، فقد اعتمد القرآن الكريم على هذين الأمرين بتوازن دقيق واتساق عجيب لضبط الإنسان وتهذيب سلوكه وإخضاعه للحق، ولكننا وللأسف غلبنا عنصر الخوف والترهيب على عنصر المحبة والترغيب، فأضحى كثير الناس يخافون الله أكثر من محبتهم له، وتراهم يستجيبون لأوامره خوفاً منه واتقاء لغضبه وبطشه، لا محبة فيه وعشقاً لذاته العلية وصفاته الجليلة، فهي عبودية العبيد لا عبودية الأحرار المحبين.
إن إصرار البعض على تغليب عنصر التخويف من الله لحمل الناس على طاعته وامتثال أوامره، غيّب وللأسف عنصر المحبة من المعادلة بين الخالق والمخلوق، فغابت لذة الطاعة وتوارت متعة العبادة، فأصبحت عبئاً ثقيلاً وحملاً كبيراً على النفوس والأرواح، فما عادت العبادة تخرج عن كونها طقوساً بدنية وحركات آلية يؤديها خائف مرعوب، وأنى للخائف أن يشعر بلذة أو يستمتع بطاعة؟! فليس الخائف كالمحب.
ولإعادة صياغة العلاقة الصحيحة بين الخالق والمخلوق علينا أن نعيد للحب مكانته في هذه المعادلة، وهذا يحتاج منا إلى إنتاج ثقافة جديدة مفادها أن الحب يجعلنا أكثر طاعة وأسهل استجابة وأكثر رغبة في تنفيذ أوامر الله تعالى، كما أن حبه تعالى يحملنا طوعاً على الابتعاد عن معصيته ومخالفة أمره، فليس محباً مَن يعصي محبوبه ويخالف أمره ويخرج على طاعته.

التعليق