علاء الدين أبو زينة

خط عربي..!

تم نشره في الأحد 1 تموز / يوليو 2018. 12:07 صباحاً

لم تعد جودة الخط سبباً للتميز. في السابق، كان الطالب صاحب الخط الجميل مقصداً لزملائه الذين يطلبون مساعدته في تجويد لوحاتهم ومشاريعهم المدرسية، ومحطاً لاحترام أساتذته الذين ربما يستعينون به في بعض أعمالهم الكتابية، ومُستعاناً لمدرسته لتزيين جدرانها بالكتابات التي تظل هناك وقتاً بعد تخرجه. أما الآن، فبالكاد يُعنى أحد بجودة الخط بعد الحواسيب، بل إن الكتابة باليد كلها أصبحت ثانوية.
كان تحسين الخَط، كجزء من مهارات الكتابة، جزءاً لا يتجزأ من تعلُّم اللغة. وكان الجزء الأهم من الواجبات المنزلية في الابتدائية هو تكرار كتابة الحروف والعبارات مرات. ومن الطبيعي أن يكون تراجع الكتابة، شكلاً ومضموناً، جزءاً من تراجع إتقان العربية والعناية بها جملة وتفصيلاً. لكن الخط العربي في مستوياته العليا، كفنّ رفيع وعِلم دقيق، كان قطعة من روح العرب وهويتهم العالمية. وكان النساخون -الخطاطون غالباً- هم الذين حفظوا التراث العربي الموضوع والمترجم الذي كتبوه بأيدهم بطريقة مفهومة قبل الطباعة. بل إن الخطاطين كانوا وزراء أو مقربين من الخلفاء والسلاطين، مثل ابن البواب وابن مقلة وياقوت المستعصمي وآخرين.
*   *   *
يُنقل عن الفنان الكبير، بابلو بيكاسو، قوله: "لو أنني عرفت أن هناك شيئاً مثل الخط العربي الإسلامي، لما بدأت الرسم كله أبداً. لقد ناضلت للوصول إلى أعلى مستويات الإتقان الفني، لكنني وجدت أن الخط الإسلامي كان هناك قبل ثلاثة عصور".
*   *   *
المشتغلون بالخط العربي يجدونه شغفاً. ومثلما يطلب الناس شهادات العلوم والإنسانيات في الجامعات، فإن طالب الخط يسعى إلى الحصول على شهادة معتمدة "إجازة" من خطاط كبير جعله عمله سلطة authority في هذا الفن، من تركيا أو العراق ومصر والشام. ويكون هذا الأستاذ بمثابة لجنة الاعتماد التي تمنح الطالب شهادة الأستاذية في المجال. وحتى يحصل الخطاط على إجازته، فإنه يبلي عينيه في تعلم قواعد الخطوط ورسمه وقياساته وتكويناته، حتى يصنع لنفسه هوية وينتقل من التقليد إلى الابتكار. والخطاطون الأساتذة يصنعون أقلامهم ويُعِدون ورق الكتابة والأحبار بأيديهم، ويلزمون ورشهم مثل النُساك حتى يبلغوا درجة عالية من التماهي مع النص والتناغم بين اليد والروح والعقل.
*   *   *
في عمّان القديمة، كانت واجهات المحلات تتزين باللوحات الإعلانية المخطوطة باليد. وللمهتم، كان السير في الأسواق والتفرج على هذه الكتابات متعة، بينما تتميز بتوقيعات الذين خطوها في الأسفل. وكان من بين هذه التوقيعات: فضل، ياسين، سبانخ، طرخان، الأردكاني، قطب، السادات، أنطون، وعبد جوخي -بين آخرين. لكن تلك اللوحات حلت محلها الآن "آرمات الكمبيوتر". وهناك توقيعات جديدة لا تشبه القديمة الجميلة في ذاتها. ويغلب أن لا يعرف أصحاب هذه التوقيعات الجامدة كتابة أسمائهم بأي خط فني، لكن لديهم آلات تحول خطوط الحاسوب إلى ورق لاصق مقصوص أو مجسمات. وهي لوحات فاقدة الروح، تماماً مثل الموسيقى الآلية التي تؤلفها وتعزفها الحواسيب، بلا حس بشري.
*   *   *
قديماً، قال الأديب والخطاط المعلم من عراق القرن الثالث عشر، ياقوت المستعصمي: "الخط هندسة روحانية ظهرت بآلة جسمانية، تقوى بالإدمان وتضعفُ بالترك". والخط بذلك كالموسيقى التي إذا ترك صاحبها آلته يوماً هجرته شهراً. لكنَّ روحانية الخط العربي، بالإضافة إلى بعدها الجمالي، تتصل أيضاً بكتابة القرآن الكريم. ويصعب أن يتصور المرء جامعاً أو مزاراً إسلامياً لا تُعلِنُ هويته تكوينات الخطوط والزخارف العربية. ويستحيل تصور كتابة القرآن الكريم بخطوط الحاسوب التي تجعله شبيهاً بنص عادي. وكتابة القرآن باليد من أعلى درجات الأستاذية في الخط. بل إن أكثر الحواسيب عبقرية لا تستطيع أن تخط جملة واحدة بما يقترب من بعيد من الخط العربي، لأن هندستها بلا روحانية.
*   *   *
مِن المحتم أن يكون إهمال العرب لشيء يميزهم بهذا المقدار جزءاً من ضبابية الهويّة والتضحية بجماليات هذه الثقافة. ومع تخلف العلوم، وانحدار الفنون، وانمحاء الشخصية، فإن التخلي عن الخط العربي هو جزء آخر فقط من "الخط العربي" الانحداري في هذه الآونة. وليس احتضار الخط تجلياً لطغيان الآلة على الروح البشرية فحسب. إنه عرَض آخر لكلالة أدوات العرب في التعبير عن روحهم وهويتهم، بالتَّرك والإهمال.

التعليق