الحقيقة.. ما تزال ضحية رئيسية للأزمة السورية!

تم نشره في الخميس 5 تموز / يوليو 2018. 12:05 صباحاً

الحقيقة.. بعد الشعب السوري؛ هي الضحية الرئيسية التي تخلفها الأزمة السورية المشتعلة منذ أكثر من سبع سنوات. وكما أريقت دماء الشعب السوري وانتهكت حقوقه وكرامته وشرد أبناؤه بجميع أصقاع الأرض على أيدي كل الأطراف المتصارعة بسورية وعليها، فإن الحقيقة ووضوح التشخيص هما الأكثر استباحة وظلما، ليس فقط على هامش هذه الأزمة بل في القلب منها.

الكذب ثم الكذب.. حتى يصدق الناس الكذبة، كما نظّر يوما وزير إعلام النازية غوبلز، نظرية لم تستخدم فقط في الازمة السورية المفتوحة على الدم والدمار والتشرد، بل هي عنوان وسياسة رئيسية في كل الحروب والأزمات، لكنها هنا؛ في الأزمة السورية، كانت وما تزال السلاح الرئيسي الأول، التي قد تسبق القنابل والرصاص والاستثمار بالارهاب، والذي أغدق ويغدق عليه مئات الملايين من الدولارات لكسب وتضليل القلوب والعقول والرأي العام حتى لو على حساب الحقيقة.

والتفسير المنطقي لذلك ولحجم هذه الحرب الإعلامية والدعائية التي يمور بها المشهد السوري منذ أول عام للأزمة وحتى اندلاع الأحداث الأخيرة في محافظة درعا والجنوب السوري، هو تعقيد الحسابات الدولية والاقليمية في الصراع على سورية والمنطقة كلها، في لحظة فارقة بتاريخ الاقليم والعالم، حيث شكل تحرك السوريين للمطالبة بالديمقراطية والاصلاح امتدادا للأمل الذي بثه انطلاق الربيع العربي في غير دولة عربية، فرصة لمحور دولي واقليمي، رغم بعض التناقضات داخله، للدخول بقوة على خط الازمة، بالمال والسلاح والاعلام والدعم السياسي والدعائي وحتى الاستثمار في الطائفية والإرهاب والتطرف بابشع صوره وبما فاق تجربة استثماره في افغانستان، لجر حراك السوريين إلى مساحات تسعى لتحقيق مصالح استراتيجية وجيوسياسة للفاعلين بهذا المحور.

مقابل ذلك، كان الحكم السوري يجد محورا حليفا له، يستعين به في مواجهة الحلف الاخر الذي دخل بقوة على خط الحراك الشعبي السلمي قبل ان يتحول الى السلاح والحرب، بل وقبل ان يذهب جزء مهم من هذا الحراك الى مساحات الارهاب والتطرف كما مثله جبهة النصرة والقاعدة وصف طويل من الحركات المتطرفة والإرهابية، وصولا إلى المرحلة الأبشع بتصدر تنظيم "داعش" المشهد واختلاط كل الأوراق.  

بين المحورين، وصراعهما الحاد الذي تم فيه الزج بكل الامكانيات والطاقات ومصادر القوة، كان الاعلام والدعاية واستباحة الحقائق سلاحا رئيسيا في الحرب، وسخر صف طويل من مؤسسات إعلامية كبرى ونافذة بكل قوتها، ولم تستثن المؤسسة الدينية من التوظيف بالحرب، لتقرع طبول الحرب الدينية والطائفية، ويجر الناس في سورية وخارجها مضللين الى اتون هذا الصراع الطائفي المعلب والمصنع.

المحطة الرئيسية في الازمة كانت بانتقال روسيا من التحالف السياسي مع الحكومة السورية الى الدخول العاصف والصاعق بثقلها العسكري والسياسي على خط الازمة، ما قلب كل المعادلات على الأرض لصالح الحليف السوري وعلى حساب تقهقر وتراجع ادوات المحور المقابل. طبعا كل ذلك لحرص روسيا على عدم فقدان حليف رئيسي وربما الاخير في المنطقة وضياع المصالح الاستراتيجية الروسية لصالح ندها الدولي الولايات المتحدة والغرب وحلفائهم بالاقليم.

حرب الحقيقة والاعلام اليوم في جزء كبير منها، تقفز عن كل تلك الحقائق على ارض الازمة، لتصور الحرب والازمة بين شعب وحكومته، وللحديث عن احتلال وعدوان روسي ضد الشعب السوري، مع تجاهل مقصود للدور الاميركي ولدور المحور الحليف له في الحرب والصراع.

وفي سبيل هذا التجاهل ولدعم تاثيره يتم خلط اوراق الازمة باستحضارالشعب السوري ومعاناته وتقسيماته الطائفية والدينية، ويختفي من المشهد عشرات الحركات والتنظيمات المسلحة والمتطرفة، التي وقفت قبل سنوات قليلة، بقوة قادر، على ابواب دمشق مهددة باسقاطها وتسلم حكمها!!

لكل ذلك وأكثر بكثير، فإن الحقيقة ستبقى هي الضحية الغائبة حتى تضع الحرب اوزارها وربما الى ما هو ابعد من ذلك بقليل!

التعليق