الغزو والفتح

تم نشره في الجمعة 6 تموز / يوليو 2018. 12:00 صباحاً

د. هاشم غرايبة

مع ظهور الإسلام، عرفت البشرية مفهوم الفتح بديلا للغزو الذي كان التوصيف المناسب للحروب بين الدول والشعوب والأقوام.
ظلت النزاعات على حيازة الممتلكات هي السمة العامة للعلاقات بين الجماعات البشرية المتجاورة، لذلك كانت الحروب غزوا من قوات بلد لبلد آخر، ومنشؤها الأطماع والسيطرة على خطوط التجارة الدولية، وفيما كان القادة يخططون لتلك الغزوات، كان فلاسفة الدولة ومفكروها، يستخرجون النظريات الاجتماعية والاقتصادية التي تسوغ الصراعات وكأنها سمة إنسانية، ويصطنعون المبررات لشن الحروب، لكنها على الدوام لم تخرج على حق الدولة بحماية مصالحها، ومنذ قيام الثورة الصناعية في أوروبا ونشوء الحاجة الى المواد الأولية وتوسيع نطاق المستهلكين وحماية خطوط التجارة أصبح كل ذلك يعرف بالإمبريالية، وأصبحت نهجا أوروبيا.
لكن منهجا مغايرا نشأ في الشرق العربي قبل ذلك بأحد عشر قرنا، ربما كان غريبا على المفاهيم المعتادة، فقد خرجت جيوش من الجزيرة العربية هدفها الفتح وليس الغزو لأنها تحمل منهاجا إلهيا يدعى البشر الى اتباعه والولاء له وليس للقوم الذين يحملونه.
ربما يجادل البعض أن مسمى الفاتح لا يختلف عن الغازي، فكلاهما يفرض شروطه بالقوة على البلد المحتل، لكن ذلك ليس إلا تغافلا عن جوهر الاختلاف وتمسكاً بالظواهر الخادعة.
لو عدنا الى الأحداث التاريخية التي لا ينتابها جدل كثير لوجدنا الفوارق جوهرية.
1 - جيوش الفتح لم تكن مقاتلين فقط، بل مثقفون دينيا (دعاة) لشرح مفاهيم الدين وتعليم القرآن، وهؤلاء يبقون، الى حين تكون جيل مثقف تعلم الدين من أهل البلد.
2 - ما يثبت أن جيش الفتح لم يأت محتلا، أنه لم يكن يهاجم البلد غيلة لتحقيق عنصر المفاجأة، بل كان يقف على الثغور ومداخل المدن وحول الحصون، ويبدأ بالتفاوض عارضا الصلح من غير حرب على أن من يتبع الدين يستحق فورا الحقوق والواجبات ذاتها التي يمتلكها الفاتح، ويصبح مواطنا كاملا في الدولة الإسلامية وليس رقيقا مملوكا كما في حروب الغزو.
3 - الخيار الثاني إن لم يقبلوا الدخول في الإسلام، فالسماح للدعاة بنشر الدعوة لأن الجاهل عدو ما يجهل، وعندما يفهمها سيتقبلها، وفي هذه الحالة يجب أن تبقى البلد تحت الحماية العسكرية لحماية الدعاة، ومن لا يدخل الإسلام يصبح ذميا؛ أي في حماية الدولة ورعايتها.
4 - والخيار الثالث الذي هو الحرب، فإن انتصر الفاتحون يطبق الشرطان السابقان وإلا فيعودوا من حيث أتوا.
5 - الجيوش الغازية قديما كالرومان والفرس واليابانيين، كانت تعامل المغلوبين كأقنان وإماء، وتنهب ممتلكاتهم وتدمر مدنهم، في الغزو الاستعماري الحديث كالإنجليز والروس والفرنسيين، كانوا ينتهكون كرامة البلد بفرض نظام حكم عميل لهم، ويستولون على خيراته، ويفرضون لغتهم وثقافتهم، فيصبح تابعا ذليلا للمستعمر.
6 - عندما كان البلد يتحرر من الغزاة، كان يلغي كل آثار الاستعمار ويعود الى ثقافته الأولى، بينما الدولة التي فُتحت، تبقى إسلامية ولا تعود لما كانت عليه قبله، ولو كان غزوا استعماريا هل تبقى دول مثل الباكستان أو إيران أو تركيا أو أذربيجان..الخ، محافظة على انتمائها الإسلامي حتى مع تفكك الدولة الإسلامية أو زوالها؟.
نستخلص مما سبق أن الفتح ليس غزوا عسكريا، بل هو تنفيذ لأمر الله بنشر الدعوة وإيصالها الى كل البشر من أجل إقامة الحجة عليهم أن يقولوا يوم القيامة لم يأتنا من هادٍ ولا نذير.
كانت الجيوش لحماية الدعاة، ومن كان يسمح لهم بالدعوة فقد تجنب إراقة الدماء.
الآن وصلت الدعوة الى أقصى الأرض، وأزال التقدم الحواجز والحدود، وسخر الله من عباده من يحسن استخدام وسائل التواصل لتتكفل بالدعوة، لكن لم تنته الحاجة للقوة، فهي للدفاع عن حق المسلمين في إقامة دولتهم الإسلامية الحرة بديلا للأنظمة التي أقامها الغزاة الأوروبيون.

التعليق