تريد عملاً؟ لماذا سيساعد الذكاء الاصطناعي العمال البشريين ولن يؤذيهم؟

تم نشره في الأحد 8 تموز / يوليو 2018. 12:00 صباحاً
  • قد لا يكون الذكاء الاصطناعي ضاراً بوظائف البشر كما يبدو-(أرشيفية)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

كيفين ماني* - (نيوزويك) 18/1/2018

في العام 2013، أسس جميس "جيمي" كراوفورد شركة تدعى "أوربيتال إنسايت"، والتي لوحظت بالكاد في ذلك الوقت وسط زبد وادي السيليكون. وكان كراوفورد قد عمل خمسة عشر عاماً مع وكالة الفضاء الأميركية "ناسا"، وكتب البرمجيات للمركبات التي تُرسل إلى كوكب المريخ. وغادر الناسا ليدير الهندسة في "غوغل بوكس"، ولاحظ بينما كان هناك أن شركة التي يملكها إيلون موسك، "سبيس إكس"، وشركات جديدة أخرى تعمل على تخفيض كلفة بناء وإطلاق الأقمار الصناعية. ورأى كراوفورد فرصة في جمع وتحليل ما توقع أنه سيكون طوفاناً من الصور القادمة من عدد هائل من الأقمار الاصطناعية التي ستحيط بكوكب الأرض، وتأخذ القراءات والصور. وقد نظر أول إنتاج لشركة "أوربيتال إنسايت" في صور حقول الذرة في مختلف أنحاء العالم، وقام بتحليل صحة النباتات للتنبؤ بعوائد التجار الذين يراهنون على تقلبات الأسعار المستقبلية.

بعد نحو سنتين من ذلك، قرر كبار مستثمري وادي السيليكون أن "أوربيتال إنسايت" يمكن أن تكون ناجحة كثيراً ومهمة. ولذلك ضخت مؤسسات المشاريع المغامِرة 20 مليون دولار في شركة كراوفورد في حزيران (يونيو) 2016، ثم 50 مليوناً أخرى في أيلول (سبتمبر) 2017.

لم يكن هذا الارتفاع في الإثارة لأن كراوفورد (أو المستثمرين) أصبحوا أكثر ذكاء فجأة -كان ذلك لأن تقدماً كبيراً حدث في الذكاء البديل alternative intelligence. ويشرح كروفورد: "في العام 2015، ولأول مرة على الإطلاق، أصبحت الحواسيب أفضل في التعرف على الأشياء من البشر. يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يتعرف إلى شجرة أو سفينة، وأن يرى الأنماط وسط مليارات الأشياء في الصور والبيانات. قبل هذه الاختراقات في الذكاء الاصطناعي، كانت بيانات الأقمار الاصطناعية أقل فائدة بما لا يُقاس -وكان تحليلها بسرعة كافية باستخدام الخوارزميات القديمة التي تستخدم في الحواسيب مرهقاً جداً. ولكن، باستخدام الذكاء الاصطناعي، يمكن أن تساعد كل تلك البيانات الخام التي تجلبها الأقمار الاصطناعية التجار والمستثمرين والشركات في معرفة أشياء ما كان يمكن أن يعرفوها أبداً من قبل، وفي وقت حدوثها تقريباً.

في أوائل العام 2017، جذبت "أوربيتال إنسايت" الانتباه بسبب قدرتها على الربط بين البيانات القادمة من مصادر مختلفة للعثور على قوارب صيد القراصنة التي تختفي في الظلام عن طريق إطفاء أجهزة اللاسلكي فيها -وهو اكتشاف أكثر فائدة لتطبيق القانون البحري من الأعمال التجارية، لكنه شكل نقطة إثبات قوية لتكنولوجيات الشركة. وفي الخريف، اعتمد فريق كراوفورد على بيانات قادمة من نوع جديد من تقنية الأقمار الاصطناعية، والتي تدعى "رادار الثقب الاصطناعي" التي كانت تنظر من خلال غيوم الإعصار "هارفي" بينما تضرب العاصفة هيوستون. ولا تستطيع الصور المعتادة للأقمار الاصطناعية -كما قد يعرف المرء- أن ترى من خلال الغيوم. وقد تبين أن معرفة مدى الفيضان خلال الإعصار أنها مفيدة جداً لشركات التأمين التي سيكون عليها تسوية مليارات الدولارات لاحقاً. وقد ساعد هذان الانتصاران -مع سفن القراصنة والإعصار هارفي- في إقناع صناديق التحوط والبنوك الرئيسية بدفع الملايين لشركة "أوربيتال إنسايت" مقابل مجموعات البيانات التي قد تساعدها على معرفة شيء عن الموارد الطبيعية، وحركة البضائع أو أي شيء آخر لا يعرفه المنافسون بعد. وقال كراوفورد في أحد التصريحات: "لقد بدأنا للتو فقط في الكشف عن حفنة من الإشارات، لكننا رأينا مُسبقاً الأثر الذي يمكن أن يكون لها على أسواق الطاقة والمال والتأمين، وكذلك على المجتمع ككل".

بينما كانت أعمال "أوربيتال إنسايت" تنمو، كانت توظِّف العاملين بقوة، باحثة عن محللي البيانات، ومديري التسويق ومجنِّدي الكفاءات الموهوبين. لكن تلك كانت البداية فحسب. وتشعر "أوربيتال إنسايت" والشركات المماثلة بأنها متعطشة جداً للبيانات الجديدة التي تجمعها الأقمار الاصطناعية، ولذلك تقوم بشرائها من شركات الأقمار الاصطناعية، وتضيف المزيد من الزخم إلى طفرة الأقمار الاصطناعية. وأصبحت الأقمار الاصطناعية الصغيرة الأرخص نسبياً، التي تراقب أحوال كوكب الأرض، هي الشريحة الأكثر نمواً في صناعة الأقمار الاصطناعية العالمية التي تبلغ قيمتها نحو 260 مليار دولار، كما تقول رابطة صناعات الأقمار الاصطناعية في تقريرها الصادر في تموز (يوليو) 2017. ويساعد ذلك على خلق مجموعة متراكبة من الوظائف، من علماء الصواريخ (بطبيعة الحال)، نزولاً إلى عمال الصيانة الذين يكنسون منصات الإطلاق. وفي كانون الأول (ديسمبر)، سجل موقع "لينكدإن" أكثر من 11.084 فرصة عمل في صناعة الأقمار الاصطناعية في الولايات المتحدة وحدها.

ليست "أوربيتال إنسايت" سوى واحدة فقط من عديد الشركات في حقل منفجر يدعى البيانات البديلة alternative data. وكانت قيمة البيانات البديلة تبلغ نحو 200 مليون دولار في العام 2016، ومن المتوقع أن ترتفع إلى ضعف ذلك بحلول العام 2020، وفقاً لمؤسسة الأبحاث "تاب غروب". وتشير "البيانات البديلة" إلى البيانات المتاحة خارج مجال المعلومات الرئيسية، مثل إحصائيات الحكومة، وأسعار الأسهم، والتقارير المالية للشركات وتحويلات البطاقات الائتمانية للمستهلكين. وتأتي البيانات البديلة من مصادر مثل إشارات الهواتف الخلوية، ومتحسسات "إنترنت الأشياء" في المعدات الصناعية، والفيديوهات المعروضة على الإنترنت، والتغريدات، وبيانات محركات البحث في الإنترنت، وأشباه وسائل الإعلام الاجتماعية -وصور الأقمار الاصطناعية.

تعني الاستفادة من كل هذه البيانات الخام في معظم الأحيان الربط بين أنواع عدة من البيانات للحصول على لمحة عن اتجاه يكون من المستحيل التعرف إليه وتحديده بخلاف ذلك. ويجعل الذكاء الاصطناعي من ذلك ممكناً. ولا يمكن أن تكون صناعة البيانات البديلة موجودة من دون الذكاء الاصطناعي. ولم يكن من الممكن أن توجد صناعة البيانات البديلة من دون البشر. وفي وقت يقول فيه معظم الصخب ضد الذكاء الاصطناعي إنه سوف يقتل الوظائف، فإن صعود مجال عمل البيانات البديلة يُظهر كيف أن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يخلق وظائف لم يكن من الممكن أن تخطر على بال أحد في السابق.

من السهل الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي على وشك أتمتة أعمال سائقي الشاحنات، وفنيي الأشعة، والمحاسبين، وكتبة الوجبات السريعة، وعلى وشك مصادرة كل نوع من أعمال التصنيع، بحيث يُترك العالم مع طبقتين من الناس فحسب: طبقة صغيرة من الأغنياء المهووسين على القمة، ثم بعد ذلك البقية منا -مجموعة ضخمة عملاقة من الأسر المتبرمة التي تعيش على دخول تعطيها لها الحكومة، ونقضي أيامنا بلا شيء أكثر من اللعب بنماذج القطارات الصغيرة، أو في نقر المواقع المتعاقبة في "يوتيوب". وعندما أجرت "كوارتز" مسحاً على 1.600 قارئ في تموز (يوليو) الماضي، وافق 90 في المائة منهم على أن نصف الوظائف الموجودة اليوم سوف تُفقَد للأتمتة في غضون خمس سنوات -ولو أن 91 المائة من المستجيبين قالوا -حسب التفكير البشري الكلاسيكي- إن وظائف أناس آخرين هي التي ستُؤخذ، وليس وظائفهم هم.

مع ذلك، كان بعض الأذكياء في عالم الأعمال يجادلون في الأشهر الأخيرة بأن مستقبلنا ليس قاتماً إلى هذا الحد، ويعرضون الدراسة بعد الدراسة، والتي تظهر كلها أن الذكاء الاصطناعي سوف يخلق من الوظائف أكثر مما سيدمر. وخلُصت دراسة أجرتها مؤسسة التحليل التكنولوجي "غارتنر" إلى أن الذكاء الاصطناعي سوف يؤتمت بحلول العام 2020 عمل 1.8 مليون شخص ويأخذ وظائفهم، لكنه سيخلق 2.3 مليون وظيفة -بكسب صاف قدره 500.000 وظيفة. كما أطلقت المجموعة الاستشارية، "كامبغيمني"، تقريراً يقول إن 83 في المائة من الشركات التي استخدمت الذكاء الاصطناعي اكتشفت أن هذه التكنولوجيا خلقت وظائف جديدة. وقامت "ديلويتي"، وهي مؤسسة استشارية أخرى، بدراسة التشغيل الآلي في المملكة المتحدة، ووجدت أن الذكاء الاصطناعي قضى على نحو 800.000 من الوظائف التي تتطلب مهارة متدنية، لكن 3.5 ملايين وظيفة جديدة نشأت في مكانها، وهذه الوظائف الجديدة تدفع أجوراً بمعدل 13.000 دولار في السنة أكثر من الوظائف التي ذهبت.

لا تجلب هذه الإحصائيات الراحة دائماً في وجه تهديد الذكاء الاصطناعي الذي يبدو واضحاً جداً. فإذا بنينا شاحنات ذاتية القيادة، سوف يصبح الملايين من سائقي الشاحنات وقد عفا عليهم الزمن. وقد تعاملنا مع المحاورين الآليين وهم يحلون محل موظفي خدمة العملاء الذين اعتادوا أن يردوا على مكالماتنا حول كيف نشتري القياس المناسب من الحذاء أو أن نصلح صندوق تلفزيون الكيبل المتعطل. وفي العام الماضي، أجرت شركة "ديلويتي" دراسة أخرى أظهرت أن الذكاء الاصطناعي سوف يؤتمت ويحل محل 39 في المائة من الأعمال في القطاع القانوني خلال عشر سنوات -معظمها من المساعدين القانونيين الأدنى والسكرتارية القانونية. ونحن على دراية بهذه الأنواع من الوظائف، ويمكن أن نتخيل بسهولة كيف سيتأذى الناس إذا ما استُبدِلوا بالذكاء الاصطناعي.

من الصعب تخيل الصناعات التي لم توجَد بعد، وكيف أنها ستخلق الوظائف لكل أنواع العاملين، وليس فقط لأولئك الذين لديهم موهبة فطرية في كتابة تعليمات البرمجيات أو تصميم شرائح الحاسوب. هو ما يجعل صناعة البيانات البديلة صناعة غامضة: إنها واحدة من الصناعات الناشئة المبكرة التي جاءت إلى الوجود بسبب الذكاء الاصطناعي. (تتراوح أخريات من عمل صناعة شرائح الحاسوب خصيصاً للذكاء الاصطناعي إلى مجال "أخلاقيي الذكاء الاصطناعي" الذين يعَلِّمون الذكاء الاصطناعي كيف يُحسِن التصرف).

استيقظ عالم الاستثمار على البيانات البديلة بفضل حادثة وقعت في نيسان (أبريل) 2016. فقد رصدت شركة "فورسكوير"، تطبيق الشبكات الاجتماعية القائم على تحديد الموقع، شيئاً غريباً في بياناته الواردة من 50 مليون شخص يستخدمون تطبيقاتها لإدخال المواقع التي يزرونها. وفي ذلك الوقت، كانت شبكة مطاعم "تشيبوتل" تعمل على الارتداد عائدة من رعب البكتيريا القولونية التي انتشرت في العام 2015، وأعلنت سلسلة المطاعم أن حركة الرواد الموسمية إلى مطاعمها تعود إلى طبيعتها على ما يبدو. لكن "فورسكوير" لاحظت أن مستخدميها الذين كانوا قد زاروا فرعاً لمطاعم تشيبوتل في السابق أصبحوا يذهبون إلى مطاعم أخرى بدلاً منها. وكان النشاط الجديد في حركة رواد المطاعم يعود إلى العروض الترويجية التي اجتذبت قادمين جدداً ممن أرادوا الحصول على طبق "بوريتو" بسعر مخفض. وعنى ذلك أن تشيبوتل كانت تخسر زبائنها الموالين في الحقيقة. ووضعت "فورسكوير" ملاحظة بذلك في تدوينة مباشرة قبل أن تُظهر عوائد مطاعم تشيبوتل المعلن عنها أن المبيعات قد انخفضت بنسبة 30 في المائة. وفجأة، أراد التجار في كل أنحاء العالم هذا النوع من السحر الذي تمتلكه "فورسكوير".

في السنوات الأخيرة، كان عدد الذين يولدون هذا النوع من البيانات الخام يشهد انفجاراً. فنحن نحمل هواتفنا النقالة في كل مكان، ونصنع بيانات تكون مجهولة المنشِئ أحياناً ومنسوبة إلى أصحابها في أحيان أخرى، عن المكان الذي نكون فيه عندما نفعل أشياء معينة. وتقوم متحسسات في الأجهزة برصد الأجزاء الصناعية، ونوعية الهواء، وعدد الخطوات التي نخطوها. وكلما كثرت الأشياء التي نفعلها على الشبكة، كثرت البيانات التي يولدها نشاطنا -تلك الأيام التي نمشي فيها، ونتحدث، ونتواصل اجتماعياً، ونجري معاملات بنكية، ونعمل أو نشاهد التلفاز على شاشات الحاسوب أو الهاتف.

ربما ينشأ أحد مصادر البيانات من نظرة ضيقة إلى سلوك الناس، لكن هناك قيمة استثنائية في تقاطع أنواع مختلفة من مجموعات البيانات. وقال لي آدم غيبس من شركة "إنيغما" للبيانات البديلة: "بغض النظر عن كبر مجموعة البيانات التي لديك، فإنك ستفوت دائماً الصورة الأكبر إذا كنت تنظر في معزل. القيمة الحقيقية للبيانات تكمن في وصل العديد من النقاط القادمة من مصادر مختلفة معاً لتكوين مشهد شمولي".

هنا حيث يصبح الذكاء الاصطناعي حاسماً. إنه يعمل إلى حد ما مثل مساعد بحث. إنك تخبره أن لديك نظرية عما تمكن معرفته من خلال الإحالة المرجعية إلى أنواع مختلفة من البيانات، وتطلق للذكاء الاصطناعي العنان ليزحف بين كل تلك البيانات ويتعرف من تلقاء نفسه، ويبحث عن الأنماط المعقدة التي ستغيب حتى عن أذكى وألمع البشر. وعلى النقيض من البشر، يستطيع بوت bot من الذكاء الاصطناعي أن يستوعب ويعرِف من تدفقات هائلة من البيانات في لحظة خاطفة.

يلاحظ ميتي زاتريانو، مؤسس شركة "سيستم 2" للبيانات البديلة، أن معرفة الذكاء الاصطناعي، مصحوبة بفيض البيانات المختلفة، يمكن أن يساعدا المستثمرين على رؤية العالم على مستوى أدق التفاصيل، مثل فهم قرارات الأفراد أنفسهم. وقال السيد زاتريانو لمجلة "بيزنس إنسايدر": "إنك تستطيع أن تنظر إلى بيانات البطاقة الائتمانية -التي تعطيك معلومات عن شخص واحد. لكن الفرق الهائل هو، على عكسِ المسوِّقين، هو أنني لا أهتم بما إذا كان اسمك هو راشيل وأنك تسكن في عنوان معين. إنني أهتم فقط بأنك شخص رقم هويته 345، وأنك اعتدت التسوق في "هول فودز"، ولكن عندئذٍ -وعلى حين غرة تماماً- يفتح متجر لـ"آلدي" في حيِّك، والآن أرى أن صاحب الهوية 345 لم يعد يتسوق من "هول فودز"، وأرى تحويلاً مالياً لسوق "آلدي". ويعني ذلك أن "هول فودز" ربما خسر مُستهلِكاً".

يمكن أن تقترح هذه الاستبصارات اتجاهات يمكن أن يراهن عليها تجار الأسهم وصناديق التحوط. ويمكن أن يساوي أقل قدر من الميزة المكتسبة من البيانات البديلة مئات الملايين من الدولارات -هي الفرق بين صندوق تحوط ضعيف الأداء وبين صندوق تملكة شركة تمويل مثل "ألفا". ويقول تامر كامل، المدير التنفيذي لمزود البيانات البديلة "كواندل" في تصريح: "أصبحت القدرة على جمع وتحليل البيانات البديلة مهارة أساسية للمستثمرين المحترفين".

مع وجود هذا القدر الكبير من المال على المحك، أصبحت البيانات البديلة الفريدة من نوعها قيِّمةً للغاية، وهو ما يغري رجال الأعمال بتأسيس كل أنواع شركات البيانات البديلة. وتعتمد شركات "أكليما" و"أندرستوري" على أجهزة الاستشعار اللاسلكية المعتمدة على أنماط الطقس بالغة المحلية. وتجمع شركة "بريميس" الأسعار من المتاجر المحلية. وتتصل "إينغما" بنوع البيانات التي كانت توفرها الحكومات منذ وقت طويل -مثل العقاقير التي يصفها الأطباء لزبائن "ميدكير"، أو أي نوع من السيارات هي التي تصل إلى موانئ الولايات المتحدة- بطرق جديدة؛ حيث تقوم باستخلاص بيانات بديلة من البيانات التقليدية. وتجمع "ريفيل موبايل" بين بيانات تحديد الموقع الجغرافي "جي. بي. أس" وتحويلات البطاقات الائتمانية لتعقب أنماط الناس خلال النهار. ويقول المدير التنفيذي لشركة "ريفيل"، بريان هاندلي، في مؤتمر عقدته "نيوزويك" مؤخراً حول البيانات والتمويل: "إنكَ عندما تذهب في جولة، فإننا نستطيع أن نرى أنك تذهب إلى ‘هوم ديبوت’ (متجر الأدوات المنزلية) أولاً، ثم إلى محل البقالة، ثم لتناول الغداء". وقد يتمكن المسوِّقون من التنبؤ بنمطك وأن يرسلوا إليك عرضاً بخصم على وجبة الغداء في اللحظة التي تتحرك فيها من موقف سيارات "هوم ديبوت".

كل هذه الشركات تستخدم متخصصي ومبرمجي الذكاء الاصطناعي. كما أنها تبحث أيضاً عن الناس الذين ليسوا تقنيين بالضرورة، وإنما يعرفون كيف يطرحون أسئلة مثيرة للاهتمام لكي يتحقق منها الذكاء الاصطناعي. وما كانت شركة "فورسكوير" لتصنع فرصة على الإطلاق من بيانات مطاعم تشيبوتل لولا أن شخصاً ما فكر في التساؤل عما إذا كانت زيادة حركة الرواد هي من الزبائن الجدد أم القدامى. وربما يعرف خبير في خام الحديد أسئلة يطرحها على الذكاء الاصطناعي حول سفن الشحن للحصول على بعض التبصر حول ما إذا كان الإنتاج العالمي في صعود أم هبوط.

وكل هذ مجال عمل جديد -وظائف جديدة لم يكن أحد ليتصور وجودها قبل عقد من الزمن، عندما جاء هاتف "آي-فون" إلى الوجود أول الأمر.

يتم خلق العدد من فرص العمل على الطريق من صناديق التحوط وشركات البيانات البديلة. ولننظر إلى النشاط الذي حركته شركة بيانات بديلة من الطراز الأول، والتي تشتري مقادير هائلة من المعلومات التي يتم جمعها بمتحسِّسات "إنترنت الأشياء". ثمة الآن أكثر من 8 مليارات شيء أصبحت متصلة بالفعل ومنتشرة في جميع أنحاء العالم، وفقاً لـ"غارتنر"، ومن المتوقع أن يرتفع هذا العدد إلى 20 مليار بحلول العام 2020. ومن المتوقع أن يرتفع الإنفاق العالمي على "إنترنت الأشياء" بحوالي 16 في المائة في العام خلال 2020، عندما سيصل السوق إلى 1.3 مليار دولار، وفقاً لمؤسسة التحليل التكنولوجي "آي. دي. سي". وهذا قدر كبير من التجارة -وهو يعني الكثير من الوظائف لعاملين من كل المستويات. وتحتاج شركة "فيريزون" على سبيل المثال، إلى جيش من العاملين لتثبيت أجهزة استشعار "إنترنت الأشياء" في ملايين مصابيح الشوارع. وتتعقب هذه المتحسسات مستويات الضجيج، ونوعية الهواء، وعدد السيارات في المواقف، وعوامل أخرى. وتستخدم شركات أخرى مصممي ومديري "إنترنت الأشياء" -استخدمت شركة التجزئة "تارغيت" نائب مدير خاصا لإنترنت الأشياء في العالم الماضي. ولولا جعل الذكاء الاصطناعي كل هذه البيانات ذات قيمة، ما كان الكثير من هذا ليحدث من الأساس.

إننا نعيش الآن في خضم طفرة من جمع البيانات التي يقودها الذكاء الاصطناعي. وفي دوائر الأعمال، فإن الفكرة التي تنتشر باطراد تقول: "البيانات هي الذهب الجديد" -وأصبح العثور على بيانات جديدة هو جنون التنقيب الجديد.

وهو ما يعيدنا إلى موضوع الأقمار الاصطناعية. فعن طريق خلق سوق غنية لبيانات الأقمار الاصطناعية، تقوم الشركات مثل "أوربيتال إنسايت" بتمويل النمو في مجالات تصميم وتصنيع وإطلاق وتشغيل الأقمار الاصطناعية. وقد أنجب ذلك شركات جديدة مثل "بلانيت" -والتي أسسها، مثل "أوربيت إنسايت"، علماء سابقون في وكالة أبحاث الفضاء الأميركية "ناسا". وتقوم "بلانيت" بتصنع أقمار اصطناعية بجحم قدم واحد، وتقوم بتشغيل 200 قمر في المدار، وجمعت الشركة 183 مليون دورلاراً من التمويل. وهناك شركة ناشئة أخرى، "بلانيت آي كيو"، التي تعمل على إطلاق كوكبة من 12 قمراً اصطناعياً.

على طريق السلسلة الغذائية للأقمار الاصطناعية، يقوم مشغلو الأقمار الاصطناعية الجدد بتحفيز الأعمال لدى مصنعي الأقمار الاصطناعية في الولايات المتحدة (بوينغ؛ وأوربيتال إيه. تي. كيه؛ وأس. أس. أل)، وفي الخارج أيضاً (دروفا في الهند، ونانو أفيونيكس في ليتوانيا). وتشتري هذه الشركات المُصنِّعة بدورها من أسواق الإلكترونيات، والهوائيات، والألواح الشمسية، والعزقات، والبراغي وكل شيء آخر يذهب إلى صناعة القمر الاصطناعي. وربما لا يعرف العاملون في مصانع العزقات والبراغي التي تستخدم في الأقمار الاصطناعية أي شيء عن الذكاء الاصطناعي، لكن الذكاء الاصطناعي يشكل سبباً كبيراً لتوظيفهم من الأساس.

من المستحيل إحصاء الوظائف التي نشأت على الطريق مسبقاً، والتي تُعزى مباشرة إلى الذكاء الاصطناعي، ومع ذلك، ما من شك في أن الذكاء الاصطناعي يجعل البيانات أعلى قيمة بكثير من أي وقت مضى -بالطريقة نفسها التي جعلت بها آلات الغزل الميكانيكية القطن أعلى قيمة قبل 250 عاماً، عن طريق زيادة ما يمكن إنتاجه من القطن أضعافاً مضاعفة.

صحيح أن الذكاء الاصطناعي سيقوم بأتمتة أعداد هائلة من الوظائف في السنوات المقبلة. لكن القطاعات الناشئة، مثل مجال البيانات البديلة، تعِدُ بمنح عدد أكبر بكثير من البشر شيئاً ليفعلوه، والذي سيكون أكثر إنتاجية من مشاهدة مسلسل كرتون "قط سايمون" طوال اليوم.

 

*كاتب عمود التكنولوجيا في "نيوزويك"، موسيقي ومؤلف كتب من الأكثر مبيعا، وحائز على العديد من الجوائز.

*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: Need a Job? Why Artificial Intelligence Will Help Human Workers, Not Hurt Them

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق