آخر انفاس الضحية!

تم نشره في السبت 14 تموز / يوليو 2018. 12:00 صباحاً

عمان- لم ينشغل العالم خلال العقد الماضي بأكثر من شيئين، شكلا أولويتيه الريئستين: هما القتل والهواتف الخلوية!
حيث شنَّ "العالم" حرباً قاسية جرفت معها الكثير من المدن والأفكار والقيم التقليدية والناس؛ وأعاد رسم الخرائط الجغرافية والبشرية، وكذا خرائط التفكير والسلوكيات، ونسَف ثقافات عتيدة بأكملها لتنمو مكانها ثقافات جديدة وغير معتادة.
وفي الأثناء كانت منظومة الهواتف الذكية تتطور بتسارع لا يمكن السيطرة عليه أو مجاراته، حتى بدا الأمر كما لو أنه أداة القاتل في توثيق آخر أنفاس الضحية، او أداة الضحية نفسها في الفرجة على حالها!
ولو قدِّر للمؤرخين تسجيل حجم التغيير المرعب الذي أصاب كل شيء في السنوات الأخيرة، لبدت الصورة "فانتازية" ونحن نرى ما تم اقتلاعه من أفكار ويقينيات وتواريخ شخصية وجمعية، وتهديم الكثير من المسلَّمات، ومناطحة العقل بالعقل.
الحرب المستمرة حتى الآن، لم تغفل شيئا، واكتسحت في طريقها كل المعمار القديم، فالهويات القومية صارت مثارا للقتل أو للسخرية، والدين صار وظيفة أو سلعة او تهمة أو ذريعة لالتهام الآخر وسفك روحه، والعائلة تقلصت حتى صارت الشخص نفسه الذي ينطوي على حضنه الصغير الذي لا يتسع بدوره لأكثر من هاتف ذكي، والحديث عن القيم وأخلاق المجتمع صار نوعا من الهراء المنفر للناس أو من السخرية المرّة والترف الذي لا وقت له أو مكان.
ثمة عالم جديد يتشكل، مصنوع من الألياف الضوئية، لا مكان فيه للصراخ او للبكاء أو للضحك أو الاستغاثات، عالم تم "تحصينه" بعناية من كل الزوايا كي لا تتسرَّب اليه يد حارة، أو أغنية قديمة.
عالم مفرغ من "الهراء" الذي درسناه عقودا طويلة عن "النشيد الوطني" و"الأوطان" و"القيم" و"التضحيات الجسام" و"الجندي المجهول"، عالم لا يحتمل الكثير من السذاجات و"الخدع" التي أفنينا أعمارنا نتشدَّقُ بها.
كأنَّ كلَّ شيء الآن محسوب بالمسطرة، وكل فكرة منقوعة في المختبر، ولا وقت لأحد كي "يصفن" أو يسرح مع خيالاته، فالحياة الجديدة مرسومة للناس وفق معادلات لا تعترف بالمشاعر القديمة، ولا تقيم وزنا للعناق!
العالم شن حرباً ضارية على التقاليد، على الزيّ الشعبي، على الطريق الترابي، على النافذة الخشبية، على الشِعر، على الروح، على القهوة العربية، وصرنا أشقّاء مرغمين للماكينات، وضحايا لا تجد من يرثيها.
لا أحد يعرف الصواب الآن، لا أحد يتكهن النهايات، ولا أحد يعرف كيف اختلَّ العالم فجأة هكذا فانقلبنا عن ظَهره!
اختلط الأمر على القاتل، وكذا اختلط على القتيل، حتى لم يتبين واحدهما إن كان هذا دمه أم جريمته، ولم نعد متأكدين تماما إن كان هذا العالم يتَّسع أكثر مما يجب او يضيق أكثر مما نطيق.
هو عالم جديد ندخله تائهين؛ لم يعد ينفعنا التسلّح بـ "المعلَّقات" والشِعر القديم وأمجاد الأجداد، ولا بقصص الفتوحات وبأخبار الفاتحين، ولم تعد قصصنا عن حوافر خيلنا التي دكَّت حدود الصين تنفع حتى للأطفال قبل النوم!
ندخل عالم الألياف الضوئية بشكل يثير الشفقة ويثير الفزع !

التعليق