النكبة الفلسطينية في السينما العربية.. الذاكرة والمنفى والوطن المنشود

تم نشره في الأحد 15 تموز / يوليو 2018. 12:00 صباحاً
  • مشهد من فيلم "الزمن المتبقي"- (ارشيفية)
  • مشهد من فيلم "باب الشمس"- (ارشيفية)

إسراء الردايدة

عمان- قُدمت القضية الفلسطينية في السينما العربية بأشكال مختلفة؛ إذ جاءت القصص من وحي تجارب لمخرجين فلسطينيين وعرب، وتناولت عناصر الصراع من زوايا مختلفة.

وطرحت الأفلام فكرة المرأة والرجل والنضال من أجل الوطن، وهنالك أمثلة كثيرة كانت عنوانا لعروض مختارة بعناية تقدمها الهيئة الملكية للأفلام ضمن "النكبة الفلسطينية في السينما العربية" التي تنطلق الاثنين المقبل بمشاركة وحضور مخرجين مهمين منهم المصري يسري نصر الله واللبناني هادي زكاك الى جانب فيلم لمي المصري وايليا سليمان.

الخيارات التي يشاد بها تشمل فيلم "باب الشمس" المأخوذ عن رواية بالاسم نفسه للروائي الياس خوري، وقدمها المخرج يسري نصر الله بجزأين من فيلمه الذي يعرض منه الجزء الأول وهو "باب الشمس- الرحيل".

وفي حين أن الرواية تتناول أحداث ما بعد العام 1948 وصولا لما بعد 1967 وحتى ما حدث في الأردن في 1970 ولبنان 1982، عبر نضال يونس الأسدي وتواجده في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، وحكايات مختلفة وما تمثله فلسطين لكل شخص من شخوص الرواية.

وحولها يسري نصر الله في فيلمه هذا بجعلها تتحدث عن الفلسطينيين، سياسة الإنسان وليس الأنظمة، في حكاية عشق تمثل الوطن وتلقي بظلالها على تاريخ كل شيء مرت به شخصيات الفيلم، وهي نهيلة ويونس والأم وآخرون وكل له حكايته.

وهنا الفلسطيني يتم تقديمه بصورة ما حدث وفهمه لمجريات الأحداث التي أسهمت في تهجيره من أرضه وكيف دخل المحتل والصدمة مما حدث؛ حيث تعامل نصر الله مع شخوص الرواية البشر بعيدا عن الرموز السياسية وإن أبقى على فكرة الصراع والوطن.

فالصراع الرئيسي يقع في فلسطين، وبدأ في العام 1948 وانتقل لكل المدن الفلسطينية وقراها، القدس وغزة والجليل وبيت لحم... الخ، وكانت قصة الحب التي جمعت بين يونس ونهيلة محور الرواية، ومن خلالهما كل شيء سيظهر، يونس لعب دوره الممثل السوري عروة نيرابية ونهيلة جسدت دورها الممثلة التونسية ريم تركي، فزوجها وحبيبها يصر على المقاومة ليصبح مطلوباً من قبل السلطات الإسرائيلية التي تتبنى مبدأ القتل والحرق والإبادة لتنفيذ مشروعها الاستيطاني بتوسع مستفز.

ويستمر يونس في الكر والفر، وبين نوبات المطاردة يختلس الوقت لزيارة زوجته وعائلته المكونة من والدة الشيخ الضرير محتسب عارف، ووالدته هيام عباس اللذين يصران على الصمود ويتكبدان مشقة الترحال من بلد إلى آخر تحت الحصار والجوع.

وبين عقلية الراوي الذي يرقد في غيبوبة وهو صديق يونس "باسل خياط"، يرى المشاهد الألم والتاريخ لهذا البطل الذي يرقد في غيبوبة إثر عيار ناري في واحدة من عملياته الفدائية، وعن طريق الفلاش باك الذي يحكي مراحل النضال بمستوياته والعلاقة بين البطل وحياته واتصاله بالقضية نفسها وهو الإطار العام.

اهتمام المخرج يسري نصر الله بالتفاصيل، يأتي عبر الحوارات الكثيفة ومشاهد الحب للزوجين وحكايات فرعية كلها تحاول أن تكمل بعضها، ودور الممثلة نادرة عمران التي لعبت دور الداية الفلسطينية في جزء الفيلم الثاني ويحمل اسم "العودة"، وأبرزت قدرتها على تقديم صورة المرأة القوية في قريتها قبل الاحتلال ومرحلة التهجير القسري.

"باب الشمس- الرحيل"، يوثق حياة الفلسطيني لخمسين عاما من خلال رواية انتقلت للشاشة وتحولت لحلم، وصور تغير من مفهوم البطل والضحية وصولا لعناصر بصرية وظفها نصر الله، مع أسلوب السرد بتفاصيله التاريخية، وتحوله لملحمة بصرية ودمج بين التوثيق للحدث وردود الأفعال حوله. الفيلم الذي أنتج العام 2004 عرض في مهرجان كان السينمائي الدولي 2004. وقد اختير من مجلة "تايم" كواحد من بين أفضل عشرة أفلام عرضت عالميا في العام نفسه، وهو من إنتاج فرنسي عربي.

"ألف ليلة ويا ليالي" و"أحلام المنفى"

فيلم "ألف ليلة ويا ليالي" القصير أنجزه هادي زكاك في 1999، من أوائل أفلامه وهو الذي يغوص في تاريخ جوانب الحياة في لبنان، وعلاقتها مع ساكنيها وانعكاساتها على تركيبها وثقافتها وناسها. وهنا بفيلمه الساخر يستخدم شخصيات "ألف ليلة وليلة"، وكانها مزيج بين الوثائقي والروائي من خلال الخيال والفانتازيا التي تلقي بظلالها على الواقع والأمل.

فيما "أحلام المنفى"، لمخرجته مي المصري، فهو فيلم وثائقي أنتج في العام 2001، وهو جزء من ثلاثية تضم، "أطفال شاتيلا" و"أطفال جبل النار"، وكلها تتناول القضية الفلسطينية، فضلا عن حضور الطفل في أفلامها حتى في "3000 ليلة"، كونه مصدر إلهام وفي مرحلة اكتشاف للمحيط.

وفي "أحلام المنفى" تطرح المصري هذا المفهوم من وجهة نظر الأطفال في شريط حيوي، يغوض في عمق مفهوم الوطن في عقولهم وأن فكرة الوطن ليست مجرد موقع جغرافي بل موقف صمود وصبر، حلم بالتحرر من التنكيل والتهجير.

ومن خلال الفتاتين اللتين تعيشان في المخيم الذي أقيم بعد النكبة في 1948 في لبنان، يتم تناول الحكاية وأحلام أجيال من المبعدين عن الوطن والذين توارثوا الهم الفلسطيني وألفوا متابعة الأخبار عن بعد والسعي لانتهاز أدنى الفرص لزيارة قرى الأجداد المغتصبة والتبرك بما تبقى من معالمها من بساتين وحدائق وجدران، فلا أحد يقتلع الأمل من مخيلاتهم بالعودة القريبة مهما حصل.

"ميناء الذاكرة".. المنفى في الوطن

أفلام الجعفري: "استذكار/ استعادة" (2015) و"ميناء الذاكرة" (2009) و"السطح" (2006). كلها تناولت مدينة يافا، وتنتقل ما بين الروائي والوثائقي، لتصبح يافا في فيلمه هنا فارغة مخيفة؛ إذ تبدأ الحكاية عن عائلة فلسطينية، تهددهم السلطات الإسرائيلية بهدم منزل العائلة في حيفا، متذرعة بأنه ليس ملكهم، وما يزيد الطين بلة، أن أوراق الملكية "ضاعت"، بعد أن أودعوها لدى محام قبل عشر سنوات من التهديد بإخلاء المنزل، بعد تهديد سابق بإخلاء جزء منه.

وتتعرض العائلة لإغراءات من جمعيات يهودية ترغب في شراء المنزل أو بيعه، فيما تطالبهم جماعات فلسطينية بالصمود والبقاء في الأرض، ورفض الهجرة أو الاقتلاع.

فيلم "ميناء الذاكرة" تكثر فيه مشاهد الصمت وأدنى حد للموسيقى، بلقطات ثابتة لمدينة أراد أن يجمدها كي يكتسب مزيدا من الوقت لتلك العائلة.

"الزمن المتبقي".. فلسطين الذاكرة

فيلم لمخرجه ايليا سليمان وربما يكمل فيه ثلاثية هي معه "يد إلهية"، "سجل اختفاء"، قام بكتابتها وإخراجها، معبرا عن الواقع الفلسطيني؛ حيث تدور الأحداث من الأمكنة نفسها تقريباً، فهو يحكي عن جزء من حياته الشخصية؛ حيث يظهر سليمان في النص والمشاهد، وترتبط كل التفاصيل بذاكرته؛ إذ يعيش واقعه داخل فلسطين وهو غريب عنها، منذ نكبة 1948، استوحى من دفاتره الشخصية، يوميات أبيه ورسائل والدته لأقاربها والأب المقاوم، ورفاقه المناضلين الذين هربوا، فيما بقي هو يعاني من مشاكل صحية وتفاصيل أخرى تغوص بالكرامة عن فلسطين الهوية والذاكرة، وعلاقة إيليا بوالديه، في لغة الصمت التي غلبت على الكلام، تاركة المجال للخيال والتحليل.

التعليق