على حافة الصحراء الإفريقية الكبرى، الناس يتحسرون على تراجع تهريب البشر

تم نشره في الأحد 15 تموز / يوليو 2018. 12:00 صباحاً
  • مهاجرون أفارقة في شاحنة تنقلهم شمالاً إلى شواطئ المتوسط فأوروبا عن طريق البحر – (أرشيفية)

 تقرير خاص – (الإيكونوميست) 5/7/2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

أغاديس، النيجر - في 14 حزيران (يونيو) خرج السلطان، الزعيم التقليدي لشعب الطوارق في أغاديس، لأداء الصلاة. وكان ذلك مشهداً رائعاً. فقد تجمع الآلاف بمناسبة نهاية شهر صيام المسلمين، رمضان، لأداء الصلاة في أرض مفتوحة واسعة. وعندما انتهى السلطان من الصلاة، ركب عائدا إلى قصره، محاطا بالنبلاء على ظهور الخيل وبعازفي الأبواق. وفي الشوارع كان الجميع يبتسمون ويلوحون. كان يجب أن يكون ذلك مصدر ارتياح للسلطان: قضاء بضع ساعات مباركة من دون الاضطرار للاستماع إلى رعاياه وهم يئنون ويندبون انهيار تجارة تهريب البشر.
منذ قرون، عاشت بلدة أغاديس النيجيرية، التي ربما يقطنها 200 ألف شخص، على التجارة عبر الصحراء الأفريقية الكبرى. وذات مرة، كانت قوافل الجِمال تنطلق من هنا محملة بالعبيد والحجاج والملح والذهب. وفي الأوقات الأحدث، ازدهرت أغاديس بسبب طفرة في حركة مرور الناس إلى الشمال عبر الرمال وإلى البحر الأبيض المتوسط ثم إلى أوروبا. ويفكر العديد من الأوروبيين في هذا التدفق للناس كفيضان شاسع مروع. وقد دفع هذا السيل إيطاليا إلى إغلاق موانئها التي تعمل في إنقاذ السفن، وكاد يتسبب في انهيار الائتلاف الحاكم في ألمانيا في الأسابيع الأخيرة. ومع ذلك، وكما سيقول لك أي شخص في أغاديس، فقد جف هذا الدفق الآن وتطامَن إلى مجرد رشح خفيف.
على مدى السنوات الأربع الماضية، يُعتقد أن حوالي 600.000 شخص عبروا البحر من ليبيا إلى إيطاليا عبر المتوسط. وقد وصل معظم هؤلاء المهاجرين إلى ليبيا عبر أغاديس، بعد أن عبروا أراضي النيجر بمعدل 100.000 شخص في السنة في المتوسط منذ العام 2000، حسب الباحثين في معهد كلينجيندايل هولندا للعلاقات الدولية. وبعد سقوط دكتاتور ليبيا الراحل، معمر القذافي، في العام 2011، ارتفعت أعداد العابرين بحدة، وبلغت ذروتها عندما وصلت إلى 330.000 مسافر في العام 2016. أما الآن، فإن عدد الذي يشقون طريقهم نحو الشمال من أغاديس ربما يكون قد انخفض إلى أقل من 1.000 شخص في الشهر.
يرجع هذا الانخفاض إلى حد كبير إلى بذل جهود أكبر لتقييد تدفق الهجرة عبر النيجر. وقد مارس الاتحاد الأوروبي ( ضغوطاً على الحكومة النيجيرية لتقوم بضبط هذا التدفق. كما طالبها شعبها نفسه بالتحرك أيضاً، بعد وفاة 92 نيجرياً في العام 2013، معظمهم من النساء والأطفال، عندما ألقى بهم المهربون في الصحراء وتركوهم في العراء. وفي العام 2015، أصدرت النيجر قانونًا لمكافحة تهريب البشر. وبدأت في العام 2016 بفرضه بجدية، فقامت بسجن السائقين الذين ينقلون المهاجرين إلى الشمال وصادرت سياراتهم. وفي المقابل، كثف الاتحاد الأوروبي المساعدات التي يقدمها إلى النيجر. ويقول ريسا فيلتو، عمدة أغاديس، أن نقطة تفتيش الشرطة في نيغريين خارج المدينة أصبحت تبعاً لذلك بمثابة الحدود الجنوبية الجديدة للاتحاد الأوروبي. ومعها أتت المشقة والصعوبات إلى بلدته أيضاً.
في ذروة ازدهار طفرة المهاجرين، كان نحو 6.000 شخص يعملون مباشرة في نقل الناس إلى الشمال أو توفير الطعام والسكن لهم على الطريق، وفقاً للدراسة الهولندية. وبالإضافة إلى ذلك، كسب الشبان رزقهم من قيادة سيارات الأجرة المركَّبة على الدراجات النارية، التي كانت تنقل المهاجرين في أنحاء المدينة حيث كانوا يشترون الطعام والماء والعمائم والنظارات الشمسية استعداداً لعبور الصحراء. وقد استفادت واحدة من كل اثنتين من الأسر في أغاديس بشكل غير مباشر من حركة المهاجرين. ومنذ هبوط هذه الحركة، قامت شركات الحافلات بتسريح نحو
75 % من سواقيها الذين كانوا يعملون على الطريق من نيامي، العاصمة، إلى أغاديس.
مع ذلك، لم يتوقف الدفق تماما. لكن الهجرة أصبحت أكثر خطورة وأكثر تكلفة. فقد أصبح المسؤولون يطلبون رشى أكبر مقابل النظر في الاتجاه الآخر. ويتجنب المهربون الطريق الرئيسي الذي يمتلئ باللصوص وقطاع الطريق، ويتحرك التجار في قوافل بمرافقة قوات من الجيش. وقد جعلت الحملة المتاجرين بالبشر متوترين أيضاً. وعندما يعتقدون أنهم على وشك الوقوع في قبضة رجال الشرطة أو الجيش، فإنهم يتخلون عن ركابهم في الصحراء لتجنب التعرض للملاحقة القضائية وفقدان شاحناتهم. وقد تمكنت المنظمة الدولية للهجرة من إنقاد 8.255 شخصاً ممن تقطعت بهم السبل في الصحراء منذ آب (أغسطس) 2016. ولا شك في أن عددا أكثر بكثير منهم لم يتم العثور عليهم. وتصر السيدة غوغي ميمونة غازيبي، رئيسة جهاز مكافحة الاتجار بالبشر في النيجر، على أن فرض تطبيق القانون الأكثر صرامة قد قلل من عدد الأشخاص الذين يتم تركهم في الصحراء، لأن عدداً أقل من الناس يبدأون الرحلة في المقام الأول. لكن أحداً لا يعرف دقة ذلك على وجه التاكيد.
على الرغم من أن عدد الأشخاص الذين يعبرون أغاديس متجهين شمالاً قد انخفض، فإن بضعة آلاف يمرون منها كل شهر في الاتجاه الآخر بعد أن فشلوا في الوصول إلى أوروبا. وقد أفاد بعض العائدين الذين يتم الاعتناء بهم الآن في مراكز العبور التابعة للمنظمة الدولية للهجرة بأن المليشيات الخارجة عن القانون في ليبيا تقوم باختطاف المهاجرين واحتجازهم من أجل الحصول على فدية.
يعود الكثير من أولئك الذين يتدفقون إلى الجنوب بشكل غير مباشر. فبعد أن تم حظر دخولهم إلى ليبيا، ذهب آلاف المهاجرين إلى الجزائر أملاً في العثور على عمل، أو إلى المغرب، أملاً في إيجاد طريق بديل إلى أوروبا. لكن الجزائر يصبح أقل ترحيباً باطراد. وتقول أليساندرا موريلي من المفوضية العليا لشؤون اللاجئين أن الجزائر "يتقيأ" المهاجرين إلى النيجر.
منذ العام 2014، قام الجزائر بترحيل نحو 31.697 نيجيرياً. كما قام مؤخرا بترحيل مواطنين من دول أخرى في غرب إفريقيا إلى النيجر أيضا. وعادة ما يتم القبض على هؤلاء الناس في الشارع ولا يُسمح لهم بأخذ ممتلكاتهم أو مدخراتهم -أو حتى أطفالهم في بعض الأحيان- قبل تحميلهم في الشاحنات. ومنذ أيلول (سبتمبر)، تم إلقاء القبض على أكثر من 13.000 شخص في الصحراء على بعد عدة ساعات سيرا على الأقدام من نقطة الحدود النيجيرية. وعندما يمرون في مجموعات متفرقة بائسة في الجوار، تضعهم المنظمة الدولية للهجرة في حافلات تنقلهم إلى أغاديس، حيث ينضمون إلى مجموعة من الناس من جنسيات مختلطة، والذين أتوا إلى هنا عبر طرق دائرية.
من بين هؤلاء حوالي 2.000 سوداني من دارفور كان معظمهم قد ذهبوا إلى ليبيا قبل أن تتم إعادتهم جنوباً إلى أغاديس. ويعيش المئات من الناس الآن في الشوارع. وفي أماكن أخرى في النيجر، تقدم الأمم المتحدة العناية لحوالي 58.000 لاجئ مالي، وأكثر من 250.000 شخص آخرين شردتهم جماعة بوكو حرام، الجماعة الجهادية الإرهابية في نيجيريا، أو فروا من القتال الدائر في النيجر بالقرب من الحدود مع مالي.
يقول السيد فيلتو، رئيس البلدية، إن "المرونة الاستثنائية" هي جزء من تقليد أغاديس. وهذا واضح في كيفية عثور سكان المدينة على طرق للربح من مشاريع تهريب أخرى. الآن، يقوم رجال الأعمال بشراء سيارات رخيصة أو مسروقة من ليبيا ويقودونها إلى عملاء عبر غرب أفريقيا. كما تتدفق المخدرات والبنادق عبر الصحراء ومرورا بأغاديس. ويقول إبراهيم، مدير محطة للبنزين، أن كل واحد من أولئك الذين شاركوا في عمليات تهريب المهاجرين "كان يدعم خمس عائلات". والآن أصبحوا يبحثون عن طريقة أخرى لكسب العيش.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: The traffickers’ lament: On the edge of the Sahara, people mourn the decline of people-smuggling

التعليق