حربا استنزاف

تم نشره في الاثنين 16 تموز / يوليو 2018. 12:10 صباحاً
  • دخان يتصاعد في سماء غزة إثر قصف إسرائيلي لمواقع في القطاع أول من أمس.-(ا ف ب)

يديعوت أحرونوت

اليكس فيشمان

لم يهجم الجيش على قطاع غزة برباعيات من الطائرات القتالية بسبب البالونات الحارقة، ولا حتى بسبب اصابة نائب الكتيبة الذي اصيب أول أمس بقنبلة يدوية القيت عليه في المواجهات على الجدار. من ناحية إسرائيل، هذه مجرد فرص عملياتية. فمنذ أشهر طويلة ينكب الجيش على ما يبدو كخطة مرتبة هدفها تآكل القوة العسكرية لحماس دون أن يضطر إلى احتلال قطاع غزة – ودفع اثمان الحرب والسيطرة في القطاع.
يأتي هذا الفهم الاستراتيجي ليجد تعبيره في قول رئيس الاركان انه في العام 2018 ستدمر كل الانفاق الهجومية لحماس. ولكن هذه ليست القدرة العسكرية الوحيدة لحماس والتي يعتزم الجيش الإسرائيلي تدميرها بشكل تدريجي. فالجيش يخوض منذ أشهر حرب استنزاف ضد البنى التحتية العسكرية لحماس. ونال هذا الاستنزاف زخما منذ 30 اذار، حين بدأت حماس حرب استنزاف عنيفة من جهتها على الجدار الحدودي.
في واقع الامر، وفرت حماس للجيش الإسرائيلي كل يوم ذرائع للرد على استفزازات عنيفة وعلى المس بسيادتها، فيما كانت الذروة مع بالونات حارقة تسببت بحرائق في الاراضي الإسرائيلية. في هذا الإطار عمل الجيش في الاشهر الاخيرة ضد أكثر من 200 هدف عسكري في القطاع. وهناك في إسرائيل محافل، بما في ذلك وزراء ونواب، سخروا من الجيش، ليس للعدو قتلى، نقصف عقارات هامشية وما شابه. اما في الجيش فابتلعوا الاهانة ولكن "قصف العقارات" اياه دفعت اليوم بحماس إلى أن تخسر قدرة الانتاج الذاتية للوسائل القتالية بعشرات في المئة. اضافة إلى ذلك، حتى أمس دمر 14 نفقا هجوميا.
ان الشروط التي أملتها دولة إسرائيل على غزة، اغلاق مطلق، التحكم بما يمر في المعابر، واغلاق البحر في وجه التهريب، خلقت وضعا تجد حماس فيه صعوبة شديدة لادخال وسائل القتال والانتاج إلى القطاع. والمعنى: عندما تدمر إسرائيل مخرطة تنتج الصواريخ، لا يكون لها بديل. كما تعاني حماس من أزمة مالية عميقة، ما يجعل من الصعب عليها أن تعيد شراء العتاد وتعيد بناء المنشآت التي دمرت. بالمقابل، ما من شأنه مع ذلك ان يجعل من الصعب على إسرائيل تآكل البنى التحتية العسكرية لحماس هو تقوية تيار البضائع التي تصل من مصر عبر معبر رفح دون رقابة إسرائيلية.
ما يبدو كاستراتيجية تآكل البنى التحتية العسكرية لحماس ارتدت شكل خطة جوية متدرجة مع بنك اهداف مرتب. بدء بالمس بالمنشآت العسكرية وبالانفاق وفقا للفرص في ظل تقليص عدد المصابين في الجانب الفلسطيني، وحتى الهدم التام لمنظومات حرجة لحماس بهدف الوصول إلى حسم سريع، حتى الاستسلام التام او احتلال القطاع.
أمس ارتفعت الخطة الجوية درجة صغيرة: حيث قصف 40 هدفا، بعضها في وضح النار (مقارنة بالهجوم الجوي السابق في ايار حين قصف 25 هدفا فقط). هكذا مثلا دمر سلاح الجو مثلا قيادة كتيبة حماس في بيت لاهيا، بمنشآتها ومخازنها. وأعلن الناطقون العسكريون في إسرائيل بانه اذا لم تتوقف النار – فهذه مجرد البداية. لحماس 18 كتيبة كهذه، 9 منها في غزة ومحيطها. هذه ابادة لبنية تحتية عسكرية ليس لحماس في هذه اللحظة الوسائل لاعادة بنائها وشرائها.
في المرحلة الحالية لا توجد نية للهجمات الجوية لاصابة عناصر حماس جسديا، فهذه مادة اشتعال لمواجهة شاملة، وتماما مثلما تحذر حماس من الهجوم بسلاح صاروخي يتجاوز محيط غزة. ولكن للطرفين، في الدرجة التالية من المواجهة، قدرات على المس المكثف بمناطق مكتظة السكان.
في حماس يفهمون أن إسرائيل غيرت قواعد اللعبة، وانها تهاجم كي تدمر ذخائرها دون أن تدفع ثمن القتال، سواء بالضحايا أم بصورتها الدولية. تدير حماس حرب استنزاف خاصة بها على طول الجدار بهدف اجبار إسرائيل على فتح الاغلاق، وكانت واثقة بانها وجدت الوصفة للكفاح الشعبي مع قواعد واضحة جدا: المواطنون يعربدون على الجدار، يخرقون السيادة الإسرائيلية، ولكن إسرائيل لن ترد الا في منطقة الجدار.
وماذا عن نفق يتسلل إلى إسرائيل؟ إسرائيل يمكنها أن تدمره. نفق لا يصل إلى الجدار؟ إسرائيل لا تلمسه. ولكن تبين ان إسرائيل ترفض ان تلعب هذه اللعبة. فضلا عن ذلك، فإنها تستغل حرب الاستنزاف الشعبية العنيفة التي تقودها حماس على الجدار كي تضعف ذراعها العسكري. نجاح هذه الاستراتيجية منوط بطول النفس الذي يعطى للجيش، سواء من سكان محيط غزة أم من القيادة السياسية التي يدفع بعضها إلى اعمال من شأنها ان تؤدي إلى مواجهة شاملة.
نحن نشهد حربي استنزاف منفصلتين، حرب حماس وحرب إسرائيل. القاسم المشترك بينهما هو أن إسرائيل تستخدم احداث استنزاف حماس، مثل البالونات المشتعلة، أعمال الشغب والمس بالجنود، كذريعة لزيادة حرب الاستنزاف التي تقودها ضد البنى التحتية العسكرية لحماس في كل ارجاء القطاع.
لدى إسرائيل اليوم كل الاسباب السياسية للامتناع عن فتح جبهة عسكرية واسعة لاحتلال القطاع. كما ليس لحماس أيضا، بقدر ما نعرف، المصلحة للوصول إلى مواجهة شاملة من شأنها أن تبعدها عن الحكم. هكذا بحيث أن هذه المرة أيضا سنبقى مع مواجهة عسكرية تبحث عن حل ومع حربي استنزاف ستواصلان تغذية الواحدة الاخرى.

التعليق