الطائرات الورقية والبالونات ليست مبررا للحرب

تم نشره في الخميس 19 تموز / يوليو 2018. 12:00 صباحاً
  • بالون محمَّل بقنابل الملوتوف أطلقه المتظاهرون الفلسطينيون باتجاه جيش الاحتلال شرق غزة.-(ا ف ب)

هآرتس

عاموس هارئيل   18/7/2018

صورة الوضع في الجنوب كما ظهرت أمس لدى المستويات الأمنية في إسرائيل محزنة ومقلقة. القيادة السياسية فقدت هدوءها، هي تخشى من قول الحقيقة للجمهور: الطائرات الورقية الحارقة أوجدت مشكلة أمنية لبلدات غلاف غزة، وهذا تهديد يجب علاجه بصورة دائمة وبتصميم. الحرائق التي تشعلها الطائرات والبالونات، والتي لم يخدش منها مواطن إسرائيلي واحد من المحظور أن تكون مبررا للحرب. 

هذه الأمور لا يتم قولها بشكل صريح. المستوى السياسي سقط في شرك الإعلانات المثيرة له- بدون تغيير في مقاربته نحن نقترب من حرب غير ضرورية مع حماس. إن اختلاط الظروف يدفع إسرائيل إلى هذه الزاوية: توتر داخلي بين الاحزاب الثلاثة التي تقود السياسة الأمنية في الائتلاف- الليكود والبيت اليهودي ويسرائيل بيتينو- تغطية صحفية درامية (أمس وصل لهب الحرائق إلى العناوين الرئيسية في الصحف في دولة ما زالت تتذكر فيها العمليات الانتحارية في الحافلات)، وضغط الجمهور يزداد.

يبدو انه لا يوجد أي شخص في المستوى الامني يعتقد أن الطائرات الورقية تبرر الحرب. إذا ازلنا الحاجة لاعادة الانتخاب فإنه من المعقول أن هذا أيضا كان موقف معظم الوزراء. ولكن السياسيين يقرأون الاستطلاعات التي تشير إلى احباط كبير من استمرار الحرائق في غلاف غزة ويشعرون أن الارض تهتز تحت اقدامهم. ومثلما في المواجهتين السابقتين في غزة، عمود الدخان في 2012 والجرف الصامد في 2014، هذه المرة أيضا تلوح امكانية انتخابات قريبة.

ما زال هناك مجال معين للعمل من اجل منع الحرب. الضغط الذي تستخدمه مصر والامم المتحدة على حماس يمكن أن يؤثر عليها كي تقوم بضبط اطلاق الطائرات الورقية، لكن يزداد الخوف من أن المواجهة العسكرية ستحدث بسبب التكتيك الجزئي: حادثة منعزلة يتوقع دائما حدوثها وفيها يؤدي حريق كهذا إلى خسائر في الارواح.

منذ سنة تقريبا وكل الجهات الامنية في إسرائيل موحدة في تحذير الحكومة والطاقم الوزاري للشؤون الأمنية والعسكرية الكابينيت من خطر ازمة انسانية في القطاع، وهم يوصون بخطوات اقتصادية لتخفيف الوضع هناك. قبل ذلك قدمت الاستخبارات العسكرية "تحذير استراتيجي" للمستوى السياسي بشأن احتمال اعمال عنف كبيرة في المناطق. منذ شهر آذار، المظاهرات على طول الجدار، وفي الجولات المتواصلة لاطلاق الصواريخ والقذائف والطائرات الحارقة، حماس هي التي تملي سير الامور. حماس تقرب عن وعي خطر الحرب من خلال تفكير خاطئ أنها بذلك ستتخلص من الضائقة ("في الشباك يقدرون أن حماس مستعدة للذهاب حتى النهاية، الاستخبارات العسكرية متشككة اكثر").

الاسابيع الطويلة للطائرات الورقية كانت القشة التي قسمت ظهر البعير. مشهد الحقول والاحراش المحترقة محزن ومخيف. ولكن الاضرار حتى الآن تمس الشعور بالأمن لدى سكان غلاف غزة اكثر من المس بالأمن نفسه. شعور القدامى هناك الذين لا يسعون إلى حرب، يتذكرون جيدا الثمن الحقيقي للحرب: قصف شديد، مصابون مدنيون، اخلاء مؤقت للمستوطنات، وبالاساس خسائر في أرواح الجنود. بعد كل ذلك يمكننا الاشتياق للطائرات الورقية. وعندما ستنتهي المواجهة من المعقول أن إسرائيل ستعود إلى المفاوضات غير المباشرة مع حماس للتباحث بالضبط في نفس الامور التي تقف اليوم على جدول الاعمال: حرية الحركة من القطاع واليه، وقواعد اللعب على طول الجدار.

أول أمس اعلن مكتب وزير الأمن عن اتخاذ خطوات عقابية جديدة في معبر كرم أبو سالم. تزويد القطاع بالوقود والسولار اوقف حتى يوم الاحد القادم. ومنطقة الصيد للفلسطينيين قلصت للمرة الثانية. بالنسبة لادخال الغذاء والادوية البيان صيغ بصورة مشوشة شيئا ما. هذه ستستمر في المرور بعد "المصادقة عليها بصورة مفصلة". هكذا يخلقون في اوساط الجمهور الإسرائيلي شعور بالضغط على قطاع غزة، في حين أنه فعليا القرار بقي في أيدي مكتب منسق اعمال الحكومة في المناطق. 

ربما ربحنا بذلك المزيد من مجال المناورة لبضعة ايام لفحص احتمالات اخرى قبل أن يتخذ الجيش الإسرائيلي أمر مباشر لاطلاق النار بصورة منهجية على مطلقي الطائرات الورقية، رغم تحفظات رئيس هيئة الاركان. امر صريح كهذا لم يتخذ بعد. خلافا للاقوال المضللة لرئيس الحكومة والوزراء.

حماس تساهم كالعادة بنصيبها في مسيرة الغباء هذه. رغم السنوات الطويلة له في السجن يبدو أن رئيس حماس في غزة، يحيى السنوار، مرة اخرى يقرأ بصورة غير صحيحة النظام الإسرائيلي. حماس تواصل بث رسائل ثنائية المعنى لمصر، في حين أنها تقود هجوم الطائرات الورقية. بين الفينة والاخرى أيضا تقوم باطلاق الصواريخ رغم اتفاق وقف اطلاق النار الذي اعلن عنه في منتهى السبت بناء على طلب منها. السنوار يسير على الحافة. فهو يمكنه انهاء هذا التصادم بالسقوط في الهاوية. الذي فيه غزة كما هي الحال دائما ستدفع ثمنا باهظا. ابراهيم المدهون، صحفي من غزة مقرب من حماس عبر عن ذلك حين كتب "اذا ادت البالون إلى حرب فيجب اعادة فحص استخدامها".

نتنياهو يدير منذ سنين، وعلى الاغلب بحكمة وحذر، الازمة المستمرة مع إيران وحزب الله في الشمال، دون جر إسرائيل إلى حرب. يوجد شيء من المنطق أيضا في الشك الذي يظهره تجاه الاخطار في دفع العملية السياسية مع السلطة الفلسطينية، لكن يصعب تفسير سلوك حكومته في السنة الاخيرة حول موضوع القطاع.

التعليق