فواكه على الطرق الخارجية.. تسويق مفيد وجميل ولكنه مُطارد!

تم نشره في الخميس 19 تموز / يوليو 2018. 12:00 صباحاً
  • بائع رمان على طريق جرش عمان - (تصوير: محمد أبو غوش)

أحمد أبو خليل

عمان- على الطريق العام الذي يربط محافظة إربد مع العاصمة عمان، وبعد منتصف الليل، كان شابان يفترشان جانب الطريق بين إربد وجرش، ويغطان في نوم عميق إلى جانب عدد من صناديق الفاكهة، وعلى مقربة منهما تقف سيارة بكب صغيرة قديمة.
توقفت بالقرب منهما واقتربت، ثم التقطت بعض الصور، لعلهما يستيقظان، ولكن من الواضح أن التعب نال منهما كثيرا. سيتبين أن البضاعة التي أحضراها لم يتمكنا من تسويقها هذا اليوم، واختارا المبيت إلى جانبها.
يحاول هذا التقرير الخروج من شوارع المدن الداخلية نحو الطرق الخارجية التي تربط بين المدن والقرى في شتى الاتجاهات. فعلى امتداد هذه الطرق شمالا وجنوبا، يتشكل سوق كبير، متناثر ومشتت ولكنه دائم. إنه أحد الميادين الرئيسية لما يعرف بـ"التوظيف الذاتي" أو القطاع غير الرسمي، ولكنه هنا يعمل في مجال مقبول اجتماعيا وأخلاقياً، أي أنه يتعامل ببضائع غير مخالفة، وإن كان كالعادة غير خاضع للقوانين والتعليمات الرسمية للبيع والشراء.
يتناول التقرير التالي حالة محددة، هي الطريق بين اربد وعمان، وعلى صنف محدد من الباعة وهم العاملون في مجال تسويق الفواكه والخضار.
التفاصيل ضرورية
إذا اكتفينا بنظرة سريعة من الخارج، سوف تبدو الظاهرة بسيطة؛ فعلى مسافات متباعدة نسبيا، يقف شاب واحيانا اثنان، قرب عدد من صناديق الفاكهة أو بسطاتها. لكن المزيد من الاقتراب والملاحظة عن قرب سوف تبين أن للظاهرة تعقيداتها وحساباتها الخاصة.
في المكان الذي توقفت عنده قبل ظهر أول من أمس، ينشغل الشاب سعيد، ابن الخامسة والعشرين، في تجهيز بسطته ويعاونه شاب في مثل سنه سوف يتبين أنه صهره، وبعد لحظات حضر من الجهة الأخرى للشارع، رجل في عقده الخامس، فيعرفني سعيد عليه بأنه عمه الذي يعمل معه كشريك، فيما يعمل الصهر بالمياومة عند حضوره.
في العادة تعتمد البسطة الجيدة على موقعين متقابلين تماماً، بما يتيح لها البيع بالاتجاهين. وفي بعض الحالات يختار أصحاب البسطة موقعين متتاليين على الجهة ذاتها، بحيث يرشد الأول إلى الثاني في حالة الزبون "المتطلب".
يعمل سعيد في بسطات الفواكه منذ عشرة أعوام، أي منذ أن كان فتى في الخامسة عشرة من عمره، مثله مثل عمه، الذي تقاعد من القوات المسلحة بعد خدمة زادت عن العشرين عاما، ويتلقى راتبا تقاعديا بحدود 300 دينار، ويعيل أسرة من ثلاثة أفراد.
ينتمي الجميع إلى بلدة قريبة من مكان تواجدهم ويقيمون فيها. يقول سعيد، إن والده أيضا عمل في بسطات الفواكه والخضار إلى أن تقدم في العمر، فتوقف عن البيع وأنشأ في البلدة محلا تجارياً.
ثلاثة أشكال للعمل
يشرح لنا سعيد تفاصيل عمله وعمل باقي زملائه في البسطات المماثلة قائلا، هناك ثلاثة أشكال للعمل:
الأول، أن نحصل على البضاعة عن طريق "ضمان" الكروم والبساتين، أي أن نشتري انتاج الموسم مقابل مبلغ مالي ثم نقوم نحن بقطاف المحصول وبيعه.
والثاني، أن نشتري المحصول بشكل يومي من أصحابه الذين يتولون قطافه بأنفسهم.
والثالث، أن تكون البضاعة للمزارع نفسه وعائلته الذين يسوقون منتجاتهم بأنفسهم.
يقول سعيد، إنهم لا يمكلون أرضاً خاصة مزروعة، ولهذا فإن عملهم يقتصر على الشكلين الأخيرين. لكنهم يعملون على مدار السنة تبعاً للمواسم، فنحن الآن في موسم الفواكه، كالعنب والتين والتفاح والخوخ والأجاص وقريبا ينزل الرمان، يليه ويتداخل معه موسم الزيتون، ثم الحمضيات (البرتقال والكلمنتينا) ثم الحمص الأخضر... وهكذا. ولكنه يوضح أن البيع بالنسبة لمنتجات الزيتون والحمص يختلف، فقد يضطرون لتغيير موقع البيع وطريقته.
يبدأ عمل سعيد وعمه منذ السادسة صباحاً، حيث يذهبان بسيارتهما إلى صاحب البستان الذي يكون قد قطف ثماره باكرا، يشتريان ما لديه بناء على اتفاق مسبق، ثم يحضران البضاعة، ويبدآن بترتيب الرفوف، وينصبان مظلة كبيرة نسبياً، إنهما يعرفان مسبقا السعر الدارج، مع الأخذ بالاعتبار صنف البضاعة ودرجات الجودة، ويعرفان حجم مشترياتهما، ويجريان ما يلزم من ترتيب وتوجيه وعرض، بانتظار الزبائن من عابري الطريق بسياراتهم.
يحتاج الأمر لقدر من تحفيز السائقين على التوقف عن طريق الإشارات بالأيدي، ووفق تقديرهما لمدى جدية الزبون فإنهما يقومان بتضييفه بإصرار بحبة من أجود الأصناف المتوفرة، مع الحرص على عبارة "ذوق مسامح".
يُحضِر سعيد وعمه معهما فطورهما، ويجمعان من المحيط بعض الحطب يشعلانه لعمل ابريق شاي، وقد اختارا موقعا مناسبا من حيث توفر بعض الأشجار للاستراحة تحت ظلها.
الخبرة ضرورية
يقول سعيد إنه مع مرور الوقت شكل خبرة مناسبة، حتى في حالة ضمان بستان او كرم كامل، وهي الطريقة التي تتطلب قدرا أصعب من الحسابات: ففي هذه الحال، عليه أن يتجول في أنحاء الكرم، ثم يقدر بشكل جيد حجم المحصول المتوقع وصنفه، ثم يبلغ صاحب الكرم بالمبلغ الذي هو مستعد لدفعه مقابل المحصول، فإذا اتفقا، فإن عليه إحضار العاملين في القطاف، وقد يستعين بأفراد عائلته، حيث يبدأ عملهم في القطاف فجراً لكي ينتهي في السادسة أو السابعة صباحاً، ثم يستأنف النقل إلى الشارع للبيع.
وعن طريقته في حساب التكلفة والمردود في مثل هذه الحالة، يقول إنه بعد القطاف، يعتبر أنه يشتري من نفسه، لكي يتمكن أولا من حساب مردود عملية الضمان لوحدها، ثم يبيع كالمعتاد ويحسب مردود البيع. وهو يجري ذلك بشكل مرتب ومنضبط، لأنه من دون ذلك لن يعرف أين ربح وأين خسر.
بشكل عام، تعتبر دورة العمل الخاصة هذه أكثر فائدة للمزارع وللبائع مقارنة ببيع المحصول في الأسواق المركزية، إن هذه الطريقة تقلص المسافة بين المنتج (المزارع) وبين المستهلك (الزبون). إنهم هنا يقومون بعملهم اعتمادا على علاقاتهم الاجتماعية والأسرية بما يتيح المجال للبعد الإنساني أيضاً، الذي قد يغيب في حالة البيع في الأسواق المركزية، حيث يروي المزارعون الحكايا المؤلمة عن المردود الذي قد يكون سلبيا في بعض الأحيان، حيث تزيد أجور النقل و"الكومسيون" عن سعر البيع، فيضطر المزارع لأن يدفع كخسارة من جيبه!
إن أفراد الأسرة حاضرون في هذه العملية بمن فيهم البنات والأطفال أحياناً الذين يحصلون بدورهم على مردود مالي ومعنوي. لكن سعيد يضيف إن سيدات الأسرة قد يقمن أحياناً بعمل خاص على هامش هذا النشاط الاقتصادي الأسري، مثل عمته التي تعمل في موسم الزيتون في تجهيزه مخللاً جاهزا للأكل وتبيعه، سواء مباشرة في محيطها، او في المحل الذي تملكه الأسرة، أو من قبل باعة البسطة أي سعيد وعمه اللذين يعرضان الزيتون المرصوع للزبائن.
المطاردة المستمرة
المشكلة الكبرى التي يعاني منها باعة بسطات الفواكه والخضار هؤلاء هي الملاحقة من قبل الأجهزة الرسمية ذات الصلة، وهي هنا وزارة الأشغال العامة المشرفة على الطرق الخارجية، أو البدليات التي تسعتين أحياناً بالأجهزة الأمنية. وهنا يقول سعيد بأسى إنه جرى توقيفه مع عمه لمدة يومين في السجن وصودرت بسطتهما.
من المعروف أن هذا العمل ينتشر في أغلب الشوارع الرئيسية مع اختلاف البضاعة، ففي المناطق الصحراوية، تنتشر البندورة والبطاطا والبطيخ، وفي الطرق القريبة من الأغور تتنوع البضائع بحسب المنتج الشهير في المنطقة القريبة.. ومع الزمن أصبح هذا العمل يشكل مجال كسب الرزق لأشخاص وأسر كثيرة تتوزع على هذه الشوارع.
بين سنة وأخرى، واحيانا في السنة ذاتها تشن الجهات الرسمية حملات قد تكون في غاية القسوة، مثل تلك التي جرت منذ أكثر من عامين عندما جرى تجريف عشرات البسطات من مختلف الشوارع شمالا وجنوبا. الغريب أن هذا الموقف يتكرر في ظل حديث عن العناية بالقطاع غير الرسمي وفي ظل سياسة تزعم تشجيع الشباب على المبادرة إلى خلق فرصة عملهم الذاتية. من غير المعروف لماذا لا يجري الاعتراف بهذا العمل كمبادرة، وهل يشترط للمبادرات أن تمر عبر مكاتب دعاة المبادرات؟
لعلها فرصة لدعوة المخططين لمغادرة مكاتب التخطيط والتعرف مباشرة على حال الناس الذي يخططون لهم.

التعليق