"فيسبوك" والشِّعر: منبر أم استسهال؟

تم نشره في الجمعة 20 تموز / يوليو 2018. 12:00 صباحاً
  • أشخاص من يرون في "فيسبوك" منبرا شعريا وإبداعيا لا بد من الإفادة منه- (أرشيفية)

رشا سلامة

عمان- لعله زمن بات يبدو غابرا، حين كان الشعراء يتطارحون أمور صنعتهم الإبداعية وأخبار أمسياتهم ودواوينهم وحتى نميمتهم، خلال الجلسات التي يواظبون عليها بإخلاص شبه يومي في مقاهيهم الشعبية أو في منتدياتهم ومراكزهم الأدبية.
اليوم انقلب المشهد برمّته، ليغدو موقع "فيسبوك" فيصلا بين الشعراء، لا من حيث تقييم المواهب وتقديمها فحسب، بل ومن حيث خلق جوّ شعري يتحرّى استحضار الطقوس الآنفة كلها: باجتماعاتها، ونميمتها، بل وبفوضويتها وبوهيميّتها في أحيان.
ثمة من يرون في "فيسبوك" والمواقع الإلكترونية التي تتيح التواصل الاجتماعي منبرا شعريا وإبداعيا لا بد من الإفادة منه، بل وتحويله لما يشبه سوق عكاظ من دون غضاضة، فيما بعض آخر بات يتخوّف من حجم الضبابية التي تحيط بالمشهد الشعري بل وتهدد سلامته أمام هرع كثيرين للالتحاق بالركب على مبدأ "من كتب على فيسبوك شِعرا، فهو آمن".
كثيرون هم أيضا من يُلحقون بالظاهرة الشعرية على "فيسبوك" التصنيفات الأدبية الأخرى من قصة ورواية، بيد أن إجماعا يكاد يتشكّل حول صدارة الشعر في المشهد الفيسبوكي، إن جاز التعبير؛ نظرا لحجمه الذي يعدّ أسهل في العرض من الرواية والقصة، إلى جانب كونه يشكّل مهوى لأفئدة الكثيرين ممن يحلمون بالانخراط في الوسط الأدبي.
تعلق على ما سبق الشاعرة الفلسطينية صونيا خضر، قائلة "إن ظاهرة الكتابة الأدبية والانتشار الفيسبوكي موضوع جدليّ يطول الخوض فيه؛ فالحقيقي حقيقي عبر فيسبوك أو عبر أي وسيلة أخرى، أما فقاعات الصابون فسرعان ما تختفي، بغضّ النظر عن الوسط الذي وُجِدت به".
وتضيف خضر أن شعراء كثر استفادوا مما أسمته "ترف فيسبوك"؛ للحصول على حضور يكفي لمنح القصيدة حقّها من القراءة، كما تقول، موضحة "إذ إن الأمسيات الشعرية عادة ما تكون خالية، بعكس الأمسيات الفيسبوكية المزدحمة".
مكمن الخلل هو في منح "فيسبوك" المساحة نفسها للشاعر الحقيقي وغيره، بحسب خضر، التي تقول "يملك الكل الكتابة في ذلك المربع الذي يظهر في أعلى الصفحة، كما في المساحة المخصصة لكتابة مادة طويلة. لقد اختلط الحابل بالنابل وكثُر الاستسهال والنشر غير المدروس، إلى جانب المجاملة التي طغت على الحكم النقدي الموضوعي".
"بشكل عام، فإن ظاهرة النشر عبر فيسبوك انتقصت من حق القصيدة والنص الأدبي، بل وجعلت منهما كأي شيء عادي أو أي خبر صحفي، كما وفتحت بابا واسعا للتعرف على الشاعر أو الكاتب عن قرب، مطفئة بذلك الهيبة التي كان يتمتع بها الشاعر؛ إذ صار إنسانا عاديا بعيدا كل البعد عن مكانته الأدبية وامتيازه الإبداعي"، وفقا لخضر.
ومن جهتها، تقول الشاعرة اللبنانية فيوليت أبو الجلَد "غالبا ما يعيش الكاتب أو الفنان في محيط لا يشبهه، مع عائلة وأصدقاء من المستويات والاهتمامات والانشغالات كافة، بيد أنها في أغلبها بعيدة وغريبة عنه، ما يُشعره أحيانا بتغريده خارج السرب. حتى ظهر فيسبوك، ليلغي الوحشة والمسافة ليس بين الكاتب والقارئ فحسب، بل وبين أصحاب الاهتمامات المشتركة".
وحول تجربتها في هذا الفضاء الإلكتروني، تقول "بالنسبة لي، فإن معظم أصدقائي هم من الشعراء والكتاب والفنانين التشكيليين والمسرحيين؛ ذلك أني أتعامل مع الصفحة بجدية واحترام"، معقّبة "أحب أن أقرأ نصا جديدا أو أن أرى لوحة مميزة، فأعتبر فيسبوك مجلة ثقافية يومية تتيح ذلك، إلى جانب إتاحتها المتسع للنقد وإبداء الرأي والتفاعل ومناقشة مواضيع مختلفة".
"لعل أهم وأرقى ما في فيسبوك، هو الصداقات التي تتحول من افتراضية إلى واقعية؛ فقد التقيت بأكثر من شاعر وفنان وقارئ من خلال هذا الموقع المميز"، تقول أبو الجلد، مستدركة "ثمة سلبيات للموقع، وقد تكون كثيرة إن لم يتم التعامل معها بحكمة ووعي، شأنها في ذلك شأن سلبيات أي شيء في الحياة".
الشاعر إسلام سمحان، يقول بدوره "مما لا شك فيه أن فيسبوك يمثّل منصة يجلس حولها جمهور كبير يحظى بامتيازات معنوية خاصة؛ إذ يملك طرح رؤاه فيما يريد، والتعبير عن رغبته بسماع كلام عاطفي أو وطني على سبيل المثال، غير أن ذلك لا يلغي حقيقة أنه يضم نخبة من الشعراء ذوي الوزن الإبداعي المشهود له".
ويضيف "لقد أتاح فيسبوك خاصية كبيرة، وهي العلاقة التفاعلية بين الكاتب وقارئه. بل إن الكاتب بات يضع نصه وهو يتوق لسماع الرؤى والانتقادات حوله، ليس من النقاد فقط، بل ومن عموم المتلقّين".
ويقول سمحان إنه يستخدم "فيسبوك" كوسيلة تواصل مع أصدقائه الذين يحرص على استمزاج آرائهم فيما يكتب، موضحا "ثمة من أثق برأيهم على نحو خاص؛ نظرا لتجربتهم الإبداعية التي انتزعت الاعتراف والاحترام"، مردفا "كما أني بتّ أطرح رؤيتي السياسية أو الوجودية أو الرومانسية حيال ما يحيط بي، غير أن الأهم هو فتح فيسبوك الآفاق إلى قلوب الناس الذين لم أعرفهم شخصيا من قبل".
وفي المقابل، يقول الشاعر رامي ياسين "إن مواقع التواصل الاجتماعي، كـ"فيسبوك"، مفيدة وسهلة لمن أراد التفاعل، بيد أنه لا يمكن إعطاؤها أكبر من حجمها هذا بأي حال من الأحوال، كما لا يمكن معاملتها معاملة المجتمع الحقيقي؛ إذ قوامها هش ووهمي وهلامي، بل وعلى أقل تقدير غير حقيقي".
على الرغم من ذلك، لا ينكر ياسين بأن "فيسبوك"، شأنه شأن باقي مواقع التواصل الاجتماعي، "سهّل على الشاعر وغيره من المبدعين نشر نتاجهم، كما شجّع مبتدئين على المضي قدما، من خلال تقديم النصائح والتعليقات المفيدة لهم".
"تملك هذه المواقع نشر الإبداع، غير أنها لا تخلقه"، يقول ياسين، مردفا "هذا ما يصعب على البعض استيعابه، لذا فإن هناك الكثير من المتسلقين على الأدب والمدّعين ممّن يتزايد عددهم بشكل ملحوظ على الرغم من تجربتهم الخاسرة عند أول محكّ يوضعون عليه".
ويعلق الكاتب والناقد الفلسطيني مهند صلاحات، قائلا "لا تقتصر أزمة المشهد الثقافي العربي على شعراء وكُتّاب فيسبوك فقط، بل إن الساحة الثقافية العربية في الفترة الراهنة تعاني من دفق أسماء شبابية في الحقول كافة: الشعر والقصة والرواية، في مقابل حقيقة مناقضة لذلك، لا مناص من الاعتراف بها، وهي: انحدار الثقافة في العالم العربي لمستويات غير مسبوقة بسبب تراجع القراءة وضعف المنتج الثقافي والفكري وغياب القراءة النقدية".
الضبابية الآنفة، قادت لحالة مبهمة، كما يوضح صلاحات، قائلا "تستميت هذه المواهب الشابة في انتزاع اعتراف الأدباء والنقاد المكرسين على الساحة، كما تتصاعد اتهاماتهم بتوصيد أبواب المنابر الثقافية في وجوههم، لا سيما حين يتم فرزهم كنتاج لمنبر فيسبوك المتاح للكل"، ما يؤدي في مرات لحالة من التصعيد، بحسبه، يعللها بأن هذه المواهب الشابة تؤمن بأن عليها انتزاع حقها انتزاعا، وليس تذللا لأولئك المنحازين للرؤية الكلاسيكية، على وجه الخصوص.
"من حق المواهب الشبابية اجتراح منابر لها؛ لعرض نتاجها ودفعه نحو طاولة النقد، ومن بين هذه المنابر منبر الشبكة العنكبوتية الذي يضم فيسبوك وغيره"، وفقا لصلاحات، الذي يستدرك متسائلا "ولكن أين هو النقد؟ لماذا لا يخرج من يقول للشاعر الشاب أو الكاتب بأنك قد أخطأت هنا، وأصبت هناك، فتجنب ذاك وعززّ هذا؟ لماذا العمل بفكرة الشمولية: أي أن أتجاهل انتقادك تماما أو أن أُلغي تجربتك برمّتها؟".
يقول صلاحات "إن العولمة التي أتاحت تحويل المواقع الإلكترونية إلى بديل عن الصحف الورقية والمجلات المطبوعة، وأتاحت نشر ما هب ودب من دون نقد أو تنقيح أو تصحيح حتى للأخطاء الإملائية أو النحوية جعلت القسم العربي على شبكة الإنترنت عبارة عن فوضى عارمة تعجّ ليس بالأخطاء الآنفة فحسب، بل وبالسرقات والانتحالات".
ويضيف "وإذا ما انطلقنا من قاعدة أن الكاتب هو من يعلق الجرس، وأن الناقد هو من يحدد لمن تقرع الأجراس، فعلينا أن نتساءل: إلى متى سيظل النقد هارباً عن قراءة المشهدية الثقافية الجديدة والاكتفاء برفضها من بعيد؟ ومنذ متى صار النقد نخبويا ويشمل فقط الأسماء المكرسة تاركا الساحة تعج بالطالح أكثر من الصالح بدون قراءة حقيقية؟ ومنذ متى صارت مهمة الناقد فقط كيل المديح أو كشف سرقات الأسماء المكرسة فقط؟".

التعليق