الاضطهاد الديني

تم نشره في الجمعة 20 تموز / يوليو 2018. 12:00 صباحاً

د. أحمد ياسين القرالة

عانى الإسلام منذ بداية دعوته من الاضطهاد والظلم والعسف، وواجه أتباعه والمؤمنون به أصناف التعذيب كافة وكل أشكال التنكيل لا للذنب اقترفوه ولا لجريمة أحدثوها، فما نقموا منهم إلا لأجل عقيدتهم وإيمانهم، لا فرق في ذلك بين رجل وامرأة صغيرٍ وكبيرٍ، ولم يقتصر الأمر على مجرد التعذيب النفسي والجسدي، بل تعدى ذلك إلى التصفية البدنية والجسدية، فكانت أول شهادة في الإسلام من نصيب امرأة قضت لأجل إيمانها وممارستها لحقها الطبيعي والإنساني في أن تعتقد ما تشاء وأن تلتزم بالعقيدة التي تتسق مع ضميرها وتنسجم مع وجدانها.
ولم يقف هذا الاضطهاد عند حد معين، بل بقي مُصراً على موقفه من التحكم في ضمائر الناس والوصاية على عقولهم، فليس من حقهم أن يعتقدوا إلا العقيدة التي يريدها الطغاة والمستبدون وإلا كان الاضطهاد والعذاب، فهي سنة الطغاة منذ فجر التاريخ، وهو المبدأ الفرعوني الذي عبر عنه القرآن الكريم، بقوله "قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ".
ونتيجة لهذا الاضطهاد والطغيان، اضطر المسلمون إلى ترك أوطانهم والهجرة بعيداً عنها حفاظاً على عقيدتهم التي ارتضوها والتزاماً بإيمانهم الذي اطمئنوا إليه، فكانت هجرتهم الأولى إلى الحبشة، حيث الملك العادل الذي لا يظلم عنده أحد، فهاجر إليها المسلمون يعيشون فيها الغربة بكل معانيها.
ولما كان الطغيان دائماً أحادي الوجهة والتفكير معتمداً على القوة والبطش في فرض رؤيته ومعتقداته، استمر اضطهاد المسلمين واتسعت جراحاتهم وتنامت عذاباتهم؛ فكان الحل في الهجرة مرة أخرى، فكانت المدينة هي الوجهة الثانية، فراراً من الاضطهاد وهروباً من الطغيان.
وبما أن الإسلام قد عانى من ويلات الظلم والاضطهاد، فإنه مقت الظلم وكره الاضطهاد بأشكاله وصوره كافة، وأرسى قاعدة في السلوك الإيماني هي قاعدة "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"، وبين أن التنوع لا بد وأنه حاصل في المجتمع الإنساني، فقال تعالى: "وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ".
لذلك أعطى الإسلام لغير المسلمين حرية الاعتقاد وممارسة شعائرهم الدينية بكل حرية ما دامت لا تتعارض مع النظام العام والآداب العامة، بل ذهب الإسلام إلى أبعد من ذلك حيث طالب بحسن التعامل مع الآخرين المخالفين في الدين، فقال تعالى: "لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ"، ودعا إلى التواصل الاجتماعي معم من خلال المصاهرة التي يمتزج فيها الدم المسلم بالدم غير المسلم، فقال تعالى "الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ"، وحث على بناء جسور العلاقات الاجتماعية معهم من خلال الزيارات وتبادل الهبات والهدايا، وهو ما عبر عنه قوله تعالى: "وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ".
ليس كما الإسلام مَن يعرف قسوة الظلم والعسف ويدرك قبح الاضطهاد الذي ذاق ويلاته وتجرع مرارة كأسه؛ لأجل ذلك لا يمكن له إلا أن يقف في وجهه وأن يحارب داعته، وأن ينتفض للدفاع عن المظلومين أينما كانوا وحيثما وجدوا، فقال تعالى: "وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا".
وإنه لمن المؤسف جداً أن يصور الإسلام الذي عانى من القهر والاضطهاد عبر مسيرته التاريخية على أنه عدو للحريات الدينية ونقيض للتسامح الديني، وما كان ليحصل بعضٌ من ذلك لولا سلوكيات وتصرفات بعض المسلمين التي أعطت المبرر لهذا الأمر وهيأت لقبوله.
يجب علينا نحن المسلمين أن لا ننسى أن للنجاشي ديناً في أعناقنا ليس من سبيل للوفاء به إلا بمقت الاستبداد والطغيان، والوقوف بحزم في وجه الاضطهاد والعمل الجاد والمخلص للدفاع عن المظلومين والمضطهدين في الأرض.

التعليق